منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > المنتديات الإجتماعية > منتدى الآداب والأخلاق > كف الاذى
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

الموضوع: كف الاذى الرد على الموضوع
اسم المستخدم الخاص بك: إضغط هنا لتسجيل الدخول
عنوان الموضوع:
  
نص الموضوع - إذا لم تكن عضواً لن تظهر مشاركتك إلا بعد مراجعتها من قبل المشرفين:
أيقونة المشاركة
يمكنك إختيار أيقونة خاصة بموضوعك من هذه القائمة :
 

الخيارات الإضافية
خيارات متنوعة

إستعراض المشاركات (الأحدث أولاً)
26-11-2017 10:05 PM
عباس محمد س الفصل السادس: البيئة
البيئة
تمهيد:
يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيه ِإلّابِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ* وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾1.
لقة امتنّ الله تعالى على العباد في هذه الآيات ببعض ما أنعمه عليهم، وهو شيء قليل جدًّا لا يعدّ أمام نعمه التي لا تحصى ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾2.
لكنّ الآية الكريمة أشارت لنوع خاصّ، من النعم، التي خصّها الله تعالى لكي يستفيد منها الإنسان، فعدّ سبحانه وتعالى في أوّل الآية الحيوان الذي يستفاد من لحمه ووبره، ومن ظهره لقطع المسافات،
87
وبعد ذلك ذكر سبحانه الزرع والشجر على أصنافه، أي ما يؤكل منه في الطعام، أو يتفكّه به من الفاكهة.
كلّ هذا لأجل هذا الإنسان، ولكي يكتفي منها بما يقيم أوده، ويهدّئ من قلق نفسه التوّاقة للكمال دائماً.
لكنّ السؤال الذي ينبغي أن يطرح في المقام هو: ماذا فعل الإنسان في مقابل هذه النعم؟
وهل أدّى شكرها بالشكل الكامل؟
وهل للشرع المقدّس توجيهات تختصّ بهذه النعم؟
هذه الأسئلة وغيرها سنشير إليها باختصار، سائلين الله تعالى أن يوفّقنا لأداء حقّ شكره.
الإنسان والبيئة
أنيط بالإنسان خلافة الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾3. ومعنى الاستخلاف هو أنّ الإنسان وصيّ على هذه البيئة (الأرض)، ومستخلف على إدارتها وإعمارها وأمين عليها، ومقتضى هذه الأمانة أن يتصرّف في ما استخلف فيه تصرّف الأمين عليها، من حسن استغلالها وصيانتها والمحافظة عليها.
ولكنّ الإنسان لم يحسن حفظ الأمانة التي استخلف عليها، وفرّط بها عبر التاريخ، من خلال إفساده فيها، قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلّا قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا
88
مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾4.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾5.
فأحرق الإنسان الغابات، وأرسل قمامته إلى المياه التي جعلها الله تعالى لكلّ الكائنات، وسلّط المياه الفاسدة إلى الينابيع العذبة، واستخدم النفط الذي هو من الكنوز، في الصناعات التي تلوّث الهواء الذي يتنفّس منه، إلى ما لا يعدّ ويحصى من أسباب التلوّث، في مقابل ما لا يحصى من النعم!
وبناءً على هذه العلاقة الجدليّة بين الإنسان والطبيعة أو البيئة، كان لا بدّ إذاً من اشتمال هذا الدين على أحكام للبيئة، لأنّها من الأمور التي تشكّل طرفاً في العلاقات مع الإنسان محور التشريع.
الدين والبيئة
دعا الدين الإسلاميّ الحنيف إلى نبذ الإسراف ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾6، وقال تعالى في مورد آخر: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾7.
ودعا الإسلام أيضاً إلى سلوك الطريق الوسطى، فلا إفراط ولا تفريط، وهو مبدأ عامّ لا يختصّ في جانب معيّن، وإنّما نهى الإسلام
89
عن الإسراف لما فيه من أضرار كثيرة، وهو كلّ سلوك يتعدّى الحدود المعقولة والمقبولة، وبخصوص موضوع البيئة، فإنّه يتمثّل في الإستخدام المفرط لموارد البيئة، بما يشكّل خطراً وضرراً على البيئة ومواردها.
والحقّ أنّ الإسراف في استخدام موارد البيئة قد يهدّد البشرية بأخطار كثيرة؛ فمثلاً الإسراف في قطع الأشجار والنباتات، أدّى إلى مثل جرف التربة والفيضانات العنيفة، وانتشار التصحّر في المناطق التي كانت مغطّاة بنضرة الأشجار الخضراء، ممّا أدّى إلى الإختلال في دورة الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون وغير ذلك. والقرآن الكريم دعا من خلال هذه الآيات المباركة إلى الاعتدال والوسطيّة، أي الإستخدام الراشد والإستثمار دون استنزاف، لأنّ الله جعل لكلّ شي‏ءٍ قدراً، ومنها البيئة لأنّها محدودة في قدراتها وثرواتها، والموازنة بين القدرة الإنتاجيّة للبيئة وبين النموّ السكانيّ، والموازنة بين الأعمال اللازمة لإشباع احتياجاته المتسارعة، وبين المحافظة على البيئة سليمة خالية من العطب والخلل، فلا تعني حماية البيئة أن نترك كنوز الأرض في مواقعها، ولا التحريم المطلق للاستفادة من ثروات الأرض الحيوانيّة والنباتيّة؛
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾8، بل تعني الاستفادة دون إسراف، لأنّ البيئة ليست ملكاً لجيلٍ بعينه يتصرّف بها كيف يشاء، بدون مراعاة لمن سيأتي من بعده، بل هي ميراث البشريّة جمعاء.
90
كيف نحافظ على البيئة؟
سنشير إلى بعضٍ من التعاليم التي أرشدنا الدين الحنيف إليها، لكي نحافظ على ما متّعنا الله تعالى به من النعم، ومن هذه التعاليم:
1- الحفاظ على الثروة النباتيّة:
فقد حثّ الإسلام على زراعة الشجر وبارك الزارع، ففي الرواية روي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّه قال لرجل سأله فقال له: جعلت فداك أسمع قوماً يقولون إنّ الزراعة مكروهة، فقال: "إزرعوا واغرسوا، فلا والله ما عمل الناس عملاً أجلّ ولا أطيب منه"9.
وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "لمّا هبط بآدم إلى الأرض، احتاج إلى الطعام والشراب، فشكا ذلك إلى جبرئيل عليه السلام فقال له جبرئيل: يا آدم كن حرَّاثاً"10.
وروي أنّ أبا عبد الله عليه السلام قال: "الكيمياء الأكبر الزراعة"11.
وبارك أئمّة أهل البيت عليهم السلام المزارعين وذكروا فضلهم، ففي الرواية: "سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الزارعون كنوز الأنام، يزرعون طيّباً أخرجه الله عزّ وجلّ، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً، وأقربهم منزلة، يُدعون المباركين"12.
وكما حثّ الإسلام على الزراعة، نهى عن قطع الأشجار، بل كانت الأوامر الصريحة تصدر من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لقوّاده وجيشه، تنهاهم عن قطع الأشجار أو إتلافها، وضرورة المحافظة عليها "ولا تقطعوا شجراً
91
إلّا أن تضطرّوا إليها"13، ونتيجة إغفال الإنسان لهذه التوجيهات، وإفراطه في بناء مدنيّته على حساب الموجودات الطبيعيّة لهذه العناصر الضروريّة للحياة، ازداد التلوّث.
2- الحفاظ على الثروة الحيوانيّة:
وعندنا من النصوص والأحكام ما يكفي لإلقاء الضوء على مدى العناية بهذه الثروة، كتحريم صيد اللهو الذي يشكّل هدراً وإتلافاً للثروة الحيوانيّة من دون مسوّغ، وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين، أيقصّر في صلاته أم يتمّ؟ فقال: "إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصّر، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة"14.
بل نهت الرواية حتّى عن قتل العصفور بدون حاجة لأكله, فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من دابّة - طائر ولا غيره - تُقتل بغير الحقّ، إلّا ستخاصمه يوم القيامة"15.
3– الحفاظ على الثروة المائيّة:
يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَنَّا صببنا الماء صبّاً * ثم شققنا الأرض شقاً *فأنبتنا فيها حبّاً * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وزيتوناً ونخلاً * وحدائق غلباً * وفاكهة وأبّاً * متاعاً لكم ولأنعامكم﴾16.
فالعلاقة واضحة بين الماء وإنبات النبات، ولا شكّ أن قلّة الماء تؤثّر سلباً على نموّ النبات، وبالتالي على حياة الحيوان، فالواجب
92
يقتضي الحفاظ على هذا الماء وعدم الإسراف في استخدامه، والمحافظة أيضاً على نظافته ونقائه من كلّ أنواع التلوّث، فمنع إلقاء الأقذار الإنسانيّة قريباً من مجاري المياه، كما روي عن أبي عبد الله عليه السلام، وأبو الحسن موسى عليه السلام قائم وهو غلام، فقال له أبو حنيفة: يا غلام أين يضع الغريب ببلدكم؟
فقال: "إجتنب أفنية المساجد، وشطوط الأنهار، ومساقط الثمار، ومنازل النزّال، ولا تستقبل القبلة بغائط ولا بول، وارفع ثوبك، وضع حيث شئت"17.
وفي رواية أخرى عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُتغوّط على شفير بئر ماء يُستعذب منها، أو نهر يُستعذب، أو تحت شجرة فيها ثمرتها"18.
خاتمة:
إنّ الإنسان وأعماله هو التهديد الأكبر للبيئة، فلو كففنا أذى الإنسان عنها لكانت بألف خير، فالبيئة في نفسها لا تتسبّب بالأذى للإنسان، ليقدم بدوره على مجازاتها بهذه الطريقة.
فلو اتّبعنا إرشادات الإسلام، والتي أوصت بالحفاظ على البيئة، لوصلنا لغاية المنى في هذا المضمار، ولتفوّقنا على كلّ أدعياء الحضارة والتقدّم.
إنّ وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي هي أساس بقاء واستمرار المجتمعات الدينيّة، لها الدور الأكبر في التوعية والحفاظ على النعمة الإلهيّة، لهذا علينا التأكيد دوماً على هذه الفريضة وعدم تركها، سيّما في هذه الموراد المنسيّة في غالب الأحيان.
93
هوامش
1- النحل:5 – 11.
2- إبراهيم: 34.
3- البقرة: 30.
4- هود: 116.
5- الروم: 41.
6- الأنعام: 141
7- الأعراف: 31
8- الأعراف: 32.
9- الكافي- الكليني - ج 5 ص260.
10- م. ن. ج 5 ص260.
11- م. ن. ج 5 ص261.
12- م. ن. ج 5 ص261.
13- وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 15 ص 58.
14- م. ن. -ج 8 ص 480.
15- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - الحديث 4536.
16- عبس: 25- 32.
17- وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 1 ص 325.
18- م. ن. - ج 1 ص 325.
26-11-2017 10:04 PM
عباس محمد س الفصل الخامس: قضاء الحوائج، النصيحة، فنُّها, أدبها

قضاء الحوائج


تمهيد:

إنّ المجتمع البشريّ مبنيّ على التفاعل بين أفراده، فلا يمكن لإنسانٍ أن يعيش منعزلاً بشكل كامل عن سائر البشر، وينشأ من هذا التفاعل الأمور الإيجابيّة والسلبيّة على حدّ سواء.

لذا قد يختلف الناس وقد يتّفقون، وقد يصل النزاع بينهم لحدٍّ لا يتصوّر من حروبٍ وعداوات, وقد يحلّ السلم بينهم بشكل مذهل، إذا تكاتف أبناء المجتمع ورعوا مصالح بعضهم، وعمّ بينهم الإخاء.

ولأنّ المجتمعات لا تترك حالها بدون قانون يرعى أحوالها وينظّم العلاقات بين الأفراد، كانت القوانين الوضعيّة والديانات السماويّة، وسنسلّط الضوء في هذا الدرس على صفة من الصفات التي أكّد عليها الإسلام بشكل كبير جدّاً، ألا وهي خدمة أفراد المجتمع الإيمانيّ لبعضهم البعض.


طرق الحقّ خدمة الخلق

قدّست الشريعة الإسلاميّة خدمة المؤمن للمؤمن وقضاء حاجته، ولو حاولنا استقصاء الروايات الكثيرة التي وردت في هذا الشأن لضاق بنا المقام، إلّا أنّه من المناسب الإشارة إلى بعض المحفّزات التي أشارت إليها الروايات الشريفة، لتحريض المؤمنين على خدمة

73

بعضهم، فعلى الصعيد الدنيويّ، فالله تعالى يتكفّل بحاجة من يقضي حاجة أخيه المؤمن، كما جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من كان في حاجة أخيه المؤمن المسلم، كان الله في حاجته ما كان في حاجة أخيه"1.


وأمّا على الصعيد الأخرويّ

1– الأمن يوم القيامة:

من العذاب الإلهيّ والجزاء المستحقّ على التقصير في أداء حقّ الله تعالى، ففي الرواية عن الإمام الكاظم عليه السلام: "إنّ لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة"2.

2– الثواب:

فبعد الأمن من العقاب الإلهيّ، يزيد الله تعالى من رحمته بأن يعطي قاضي حوائج المؤمنين ثواباً كبيراً، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله، كتب الله عزّ وجلّ له ألف ألف حسنة"3.

بل إنّ بعض الروايات وصفت أجر قضاء حاجة المؤمن بأكثر من أجر الجهاد في سبيل الله تعالى، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من مشى في عون أخيه ومنفعته، فله ثواب المجاهدين في سبيل الله"4.

74

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام - في حديث طويل -: "لأن أسعى مع أخٍ لي في حاجةٍ حتَّى تقضى، أحبُّ إليَّ من أن أعتق ألف نسمة، وأحمل على ألف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة"5.

بل عدّت بعض الروايات قضاء الحوائج من حيث الفضل بأنّه أفضل من فضل الحجّ، وتزيد عنه بعشر مرات، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "لَقضَاءُ حاجة امرئٍ مؤمنٍ أفضل من حجّة وحجّة وحجّة، حتى عدَّ عشرَ حجج"6.

وفي قمّة الروايات التي مجّدت هذا العمل، وتحدّثت عن جزيل الثواب الموعود من الله تعالى عليه، ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قضى لأخيه المؤمن حاجة، كان كمن عبد الله دهره"7.

فأيّ ثوابٍ بعد هذا الثواب، وكيف لا يطمع المرء في خدمة الناس وقضاء حاجتهم، بل إنّ المغبون حقًّا من أضاع العمر ولم يلتفت لهذه الفرصة، التي تعتبر جواز سفر إلى السعادة الأخرويّة.


أحبُّ الناس إلى الله

ليس غريباً أن تصف الروايات من يسعون في قضاء حاجات الناس بأنّهم أحبّ الناس إلى الله عزَّ وجلّ, لأنهم يجسّدون أسمى المعاني الإنسانيّة وأرقاها، وهو العطاء، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال الله عزّ وجلّ: الخلق عيالي، فأحبّهم إليّ ألطفهم بهم، وأسعاهم في حاجاتهم"8.

75

لا تؤذِ ذوي الحاجة

إذا لم يرد الإنسان السعي في حاجات المؤمنين، وأراد تضييع الفرصة، أو لم يكن قادراً على ذلك، فلا بدّ أن يلتفت لمسألة في غاية الأهميّة، وهي أنّه بمقدار ما أوعد الله تعالى من الثواب على قضاء الحاجة، بمقدار ما أوعد به على أذيّة ذوي الحاجات، من خلال التصرّفات غير المناسبة، التي قد يلجأ لها المرء، للتهرّب من الحرج الذي قد يشعر به للأسباب الآنفة الذكر, ومن هذه الأعمال:

1- ترك الصدّ والمنع:

مع القدرة على المساعدة، وكم هو مرعب ما جاء في الرواية عن عاقبة لهذا العمل، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "أيّما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة، وهو يقدر على قضائها فمنعه إيّاها، عيّره الله يوم القيامة تعييراً شديداً، وقال له: أتاك أخوك في حاجة قد جعلت قضاءها في يدك، فمنعته إيّاها زهداً منك في ثوابها، وعزّتي لا أنظر إليك اليوم في حاجة، معذّباً كنت أو مغفوراً لك"9.

وأصعب من هذه الرواية ما روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: "من قصد إليه رجل من إخوانه، مستجيراً به في بعض أحواله، فلم يجره بعد أن يقدر عليه، فقد قطع ولاية الله عزّ وجلّ"10.

نسأل الله تعالى أن لا نكون من المخذولين يوم القيامة، الذين وصفتهم الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما من مؤمنٍ يخذل

76

أخاه وهو يقدر على نصرته، إلّا خذله الله في الدنيا والآخرة"11.

2– ترك الاحتجاب:

أي التهرّب كأن يقول لمن يستقبله أنّه في شغل عنه ولا يقدر على لقائه, فهذا التصرّف يعتبر من التصرّفات التي نهت عنها الروايات الشريفة، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من صار إلى أخيه المؤمن في حاجته أو مسلما فحجبه، لم يزل في لعنة الله إلى أن حضرته الوفاة"12.

وما أشدّ عقوبة هذا العمل في الرواية المرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام: "أيّما مؤمن كان بينه وبين مؤمن حجاب، ضرب الله عزّ وجلّ بينه وبين الجنّة سبعين ألف سور، ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام"13.



خاتمة:

ما ألطف ما ورد في فضل قضاء الحاجات، وأخوف ما جاء في ردّ السائل والمحتاج إلى المساعدة، فلنسع قدر الإمكان لكي نكون من الصنف الأوّل، والّذين باركهم الله، ووصفهم بأنّهم أحبّ الناس إليه.

وليقف الواحد منّا مع نفسه وقفة تأمّل، بين القليل من الجهد والعظيم من الأجر، وليفكّر في الراحة الأبقى والأجر الأسمى، وبين الراحة الزائلة بزوال الدنيا، والمال الذاهب بذهاب العمر، فأيّ الأمرين نختار؟

77

النصيحة، فنُّها, أدبها


تمهيد:

الحوار ضرورة اجتماعيّة، ولا غنى عنه بين الناس، إذ بالحوار يتفاهمون على الأمور المشتركة التي تعنيهم.

ولكنّ للحوار آداباً وفنًّا، ويتفاوت فنّ الحوار بين شخصٍ وآخر، لذا ترى بعض الناس متميّزين بقدرة كبيرة على التحاور والإقناع، وآخرين يتلعثمون في تبيان مقاصدهم، وقد يكون ذو الفكر الخاطئ بليغاً، وذو الفكرة الصحيحة ضعيف البيان.

ويتّخذ الحوار بين أفراد المجتمع أشكالاً متعدّدة، فمنه العلميّ، ومنه التعليميّ، إضافة إلى أنواع أخرى من الحوار للتفاهم والتعايش بين الأفراد.

وسنسلّط الضوء في هذا الدرس على نوع من أنواع الحوار وهو النصيحة، مشيرين إلى آدابها وأساليبها، التي وردت في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء، سائلين الله تعالى التوفيق لما فيه رضاه، إنّه سميع مجيب.


للمستنصح حقّ!

لم تمرّ الشريعة على النصيحة مرور الكرام، بل أعارتها اهتماماً خاصّاً، فالتناصح إن لم يكن بالطريقة المناسبة، فقد يتحوّل لعداوات

79

أو تصارع بين المتناصحين، لذا أورد الإمام زين العابدين عليه السلام له فقرة كاملة، في رسالته رسالة الحقوق، حيث قال عليه السلام:

"حقّ المستنصح أن تؤدّي إليه النصيحة، وليكن مذهبك الرحمة له والرفق به، وحقّ الناصح أن تليّن له جناحك، وتصغي إليه بسمعك، فإن أتى الصواب حمدت الله عزّ وجلّ، وإن لم يوافق رحمته، ولم تتّهمه وعلمت أنّه أخطأ، ولم تؤاخذه بذلك، إلّا أن يكون مستحقًّا للتهمة، فلا تعبأ بشيءٍ من أمره على حال"14.

وسنتعرّض هاهنا لبعض الفقرات شرحاً وتفصيلاً:

1- أدِّ النصيحة

وهو ما أشار إليه عليه السلام بقوله: "حقّ المستنصح أن تؤدّي إليه النصيحة"، فالمراد به من طلب منك النصيحة، فأوّل الحقوق له عليك أن تنصحه بما لديك من خبرة تعلّمتها في الحياة، لا أن تحجب علمك المكتسب عنه، فالعلم ليس حكراً على حامله، وقد جاء في الرواية عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: "زكاة العلم أن تعلمه عباد الله"15.

2– إرفق به

فلا تكن عليه فظًّا غليظاً، معيباً عليه قلّة إدراكه ولو كان كذلك، فليس من المعيب أن لا يعلم المرء، بل المعيب أن يبقى على الجهل، والمستنصح سلك طريقاً ندبه إليه العقل في استشارة ذوي العقول، واستنصاح أولي التجارب، فلا ينبغي الإساءة له من خلال الغلظة

80

والتعنيف، يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾16.

هذا فيما يتعلّق بحقّ المستنصح على الناصح، وأمّا حقّ الناصح على من يؤدّي إليه النصيحة، فيشير إليه الإمام عليه السلام وهو:

1– الاستماع له:

وهو ما أشار إليه عليه السلام بقوله: "وحقّ الناصح أن تلين له جناحك، وتصغي إليه بسمعك".

فأمّا لين الجناح فهو من باب التواضع لمن هو أعلم منك، وأعقل، وأمّا السماع فهو من باب التأدّب في الحديث، فمن الأدب عدم المقاطعة، والإنصات لمن يتحدّث إليك.

وقد جاء في الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: "إسمعوا النصيحة ممّن أهداها إليكم، واعقلوها على أنفسكم"17.

2– الطاعة:

هذا إذا كان في رأيه صلاحاً، وتوافقاً مع الشريعة والعقل، وهذا ما أشار إليه الإمام عليه السلام بقوله: "فإن أتى الصواب حمدت الله عزّ وجلّ، وإن لم يوافق رحمته، ولم تتّهمه وعلمت أنّه أخطأ، ولم تؤاخذه بذلك إلّا أن يكون مستحقّاً للتهمة، فلا تعبأ بشيءٍ من أمره على حال".

وأمّا لزوم طاعته فيما لو أسدى لك النصح الحسن الذي فيه خير الآخرة، فلأنّه يحمل إليك خيرك، بل ما هو أبقى لك، و﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾18.

81

وقد جاء في الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: "من أمرك بإصلاح نفسك، فهو أحقُّ من تطيعه"19.

بل إنّ من التوفيقات الإلهيّة للإنسان المؤمن، أن يكسر نفسه التي تتأبّى غالباً سماع النصيحة، أن يستمع ويطيع الناصح، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام فيما روي عنه: "طوبى لمن أطاع ناصحاً يهديه، وتجنَّب غاوياً يُرديه"20.

وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: "من أكبر التوفيق الأخذ بالنصيحة"21.

نعم طوبى لهم، لأنّ في استماع النصيحة كسراً لكبرياء النفس وعنفوانها, وينبغي على مستمع النصيحة تحمّل المرارة التي قد تتضمّنها، وأن لا يؤدّي ذلك للإنزعاج الشخصيّ من الناصح، الذي لا يستهدف أشخاصنا، بل تقويم أعمالنا أو دلّنا على ما فيه الصلاح لنا، فعلى المستمع الإنصياع أوّلاً وآخراً لقول الحقّ، على صعوبة تحمّله، وقد جاء في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: "إتّبع من يُبكيك وهو لك ناصح،ولا تتَّبع من يُضحِكك وهو لك غاشّ"22.

لأنّ بعد المرارة النفسيّة التي يتحمّلها المرء، حلاوة الوصول للمرام،كما جاء في الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: "مرارة النصح أنفع من حلاوة الغشّ"23.

82

أحبب ناصحك

يتذمّر البعض من الأشخاص الذين يتوجّهون إليهم بالنصيحة، والأولى أن يقدّر هؤلاء الناس الذين يبذلون لنا كلّ الخير ممّا علمتهم إيّاه الحياة، أو اكتسبوه في عمرهم المليء بالتجارب، فهم أفضل الناس بالنسبة لنا، وهم من يدلّنا على الصلاح بدون منّة أو مقابل، ووصيّة أهل البيت عليهم السلام لنا أن نحبّ هؤلاء الناس، فقد جاء في الرواية عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: "ليكن أحبَّ الناس إليك المشفق الناصح"24.


ناصح لا يستمع إليه

وهو الذي يشكونا يوم القيامة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾25.

إنه كتاب الله تعالى، كتاب الهداية للبشر، والذي يصفه أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: "إتّعظوا بمواعظ الله، واقبلوا نصيحة الله... واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغشّ... واستنصحوه على أنفسكم، واتّهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم"26.

فهل أنّ كتاب الله تعالى هو المستنصح لنا دوماً، وهل نقيم له في تقييم أمورنا وزناً، هذا ما نسعى لأن نكون عليه، لأنّ الناصح في حياتنا العادية قد يغشّ، وقد يموّه، وقد يضلّل، وقد يدلّنا خطأ على غير طريق الصلاح، أمّا القرآن فلا؛ لأنّه الكتاب الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ

83

وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾27.

84

هوامش

1- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 1 ص 700.
2- م. ن. -ج 1 ص 700.
3- م. ن. -ج 1 ص 700.
4- م. ن. -ج 1 ص 701.
5- م. ن. -ج 1 ص 700.
6- م. ن. -ج 1 ص 701.
7- م. ن. -ج 1 ص 701
8- م. ن. -ج 1 ص 700
9- م. ن. -ج 1 ص 702.
10- م. ن. -ج 1 ص 702.
11- م. ن. -ج 1 ص 702.
12- م. ن. -ج 1 ص 703.
13- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 1 ص 703.
14- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3279.
15- الكافي- الكليني - ج1، ص41.
16- آل عمران: 159.
17- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3281.
18- الرحمن: 60.
19- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3280.
20- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3281.
21- م. ن. -ج 4 ص 3281.
22- م. ن. -ج 4 ص 3281.
23- م. ن. -ج 4 ص 3281.
24- م. ن. -ج 4 ص 3281.
25- الفرقان: 30.
26- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3281.
27- فصلت: 42.


يتبع
26-11-2017 10:03 PM
عباس محمد س الفصل الرابع: الكذب، الفحش، الغضب

الكذب


تمهيد:

لا يختلف اثنان من صحاح الفطرة على قبح الكذب الذاتيّ، ولا على ذمّ الكذّاب من الناس، ولا يختلفان أيضاً على أثره المسيئ على النفس الإنسانيّة وعلى سائر الناس.

فكم من كذبة فصمت ودّ أخ عن أخيه، وكم من كلمة نميمة ولّدت حرباً، أو خصومة لم تنتهِ.

ولخطورة هذا الأمر، وما يتضمّنه من أذيّة للنفس أوّلاً وللآخرين ثانياً، سنسلّط الضوء عليه سائلين الله تعالى أن يعصمنا من الزلل والخطأ.


كذب أم أكاذيب؟

المعروف بين الناس بالكذب هو الكذب في القول وعدم الوفاء، حيث يضمّ إلى الكذب أيضاً، إلّا أنّ علماء الأخلاق عدّدوا مراتب أخرى للكذب، لا تقلّ خطورة عن الكذب المشهور بين الناس، إذ يقول العلّامة النراقي قدّس الله نفسه الزكيّة:

"الكذب وهو: أمّا في القول، أي الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه، وصدوره إمّا عن العداوة أو الحسد أو الغضب، فيكون من رذائل قوّة الغضب، أو من حبّ المال والطمع، أو الاعتياد الحاصل

53

من مخالطة أهل الكذب، فيكون من رذائل قوّة الشهوة.

أو في النيّة والإرادة، وهو عدم تمحيضها بالله، بألّا يكون الله سبحانه بانفراده باعث طاعاته وحركاته، بل يمازجه شيء من حظوظ النفس. وهذا يرجع إلى الرياء، ويأتي كونه من رذائل أيّ قوّة. وأمّا في العزم، أي الجزم على الخير، وذلك بأن يعزم على شيء من الخيرات والقربات، ويكون في عزمه نوع ميل وضعف وتردّد يضادّ الصدق في العزيمة، وهذا أيضاً من رداءة قوّة الشهوة.

وأمّا في الوفاء بالعزم، فإنّ النفس قد تسخو بالعزم في الحال، لعدم مشقّة في الوعد، فإذا حقّت الحقائق، وحصل التمكّن، وهاجت الشهوات، انحلّت العزيمة، ولم يتّفق الوفاء بالعزم، وهذا أيضاً من رذائل قوّة الشهوة ومن أنواع الشره.

وأمّا في الأعمال، وهو أن تدلّ أعماله الظاهرة على أمرٍ في باطنه لا يتّصف هو به، أي لا يكون باطنه مثل ظاهره ولا خيراً منه. وهذا غير الرياء، لأنّ المرائي هو الذي يقصد غير الله تعالى في أعماله، وربّ واقف على هيئة الخشوع في صلاته، ليس بقصد به مشاهدة غيره سبحانه، ولكنّ قلبه غافل عن الله وعن الصلاة، فمن نظر إلى ما يصدر عن ظاهره من الخشوع والاستكانة، يظنّ أنّه منقطع إلى جناب ربّه، وحذف ما سواه عن صحيفة قلبه، وهو بكلّيّته عنه تعالى غافل، وإلى أمر من أمور الدنيا متوجّه. وكذلك قد يمشي الرجل على هيئة الطمأنينة والوقار، بحيث من يراه يجزم بأنّه صاحب السكينة والوقار، مع أنّ باطنه ليس موصوفاً بذلك. فمثل ذلك كاذب في عمله، وإن لم يكن مرائياً ملتفتاً إلى الخلق، ولا نجاة من هذا الكذب إلا باستواء السريرة والعلانية، أو كون الباطن أحسن

54

وأمّا في مقامات الدين، كالكذب في الخوف والرجاء، والزهد والتقوى والحبّ والتعظيم، والتوكّل والتسليم، وغير ذلك من الفضائل الخلقيّة. فإنّ لها مبادئ يطلق الإسم بظهورها، ثمّ لها حقائق ولوازم وغايات، والصادق المحقّق من نال حقائقها ولوازمها وغاياتها، فمن لم يبلغها كان كاذباً فيها"1.


الرذائل والكذب

بناء على ما أورده العلّامة النراقي قدس سره فإنّ كثيراً من المساوئ الأخلاقيّة مردّها إلى الكذب، بالإضافة إلى العديد من الذنوب الأخرى، فالرياء الذي يظنّ أنّه ذنب وسيّئة أخلاقيّة هو أمر راجع إلى الكذب، في دعوى التوحيد في العبادة، وكذلك ادّعاء المقامات، أي مقامات القرب من الله تعالى، من دون تحقّقها واقعاً يُعدّ من الكذب، رغم أنّ نفس الادّعاء هو مجرّد قول لا أكثر.

موقف الشرع من الكذب

ذمّ الشرع المقدّس الكذب بكلّ أشكاله، واحتقر الإنسان المتّصف بهذه الصفة، إذ تجد من الروايات والآيات الكثيرة التي أشارت لقبح هذه الصفة، والنهي عن الوقوع في شرّها، ومن هذه الروايات ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أعظم الخطايا اللسان الكذوب"2.

55

من الظاهر. وهذا القسم من الكذب ربّما كان من رذائل قوّة الشهوة وربّما كان من رذائل قوّة الغضب، وربّما كان من رداءة القوّة المدركة، بأن كان باعثه مجرّد الوسواس.


وممّا روي في احتقار صاحب الكذب، ما روي أيضاً عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كذب العبد، تباعد الملك عنه ميلاً من نتن ما جاء به"3.

بل اعتبر القرآن الكريم الكذب من صفات الذين لا يؤمنون بالله تعالى، فالمؤمن الحقيقيّ هو الذي لا يكذب، ولو كذب فإنّ هذا يدلّ على خلل ما في حقيقة إيمانه، قال تعالى: }إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾4.

وورد في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - لمّا سُئل: "أيكون المؤمن جباناً؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم.

قيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: نعم.

قيل له: أيكون المؤمن كذّاباً؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا"5.


علاج الكذب

ذكر علماؤنا الأعلام علاجاً للمصاب بمرض الكذب، وأوّل العلاج الذي ذكروه أن يكثر الإنسان في تأمّل الآيات والروايات الذامَّة لهذا العمل، ليدرك أثرها الأخرويّ المأساويّ والمخزي، يقول العلّامة النراقي قدّس الله نفسه الزكيّة:

56

"أوّلاً: أن يتأمّل في ما ورد في ذمّه من الآيات والأخبار، ليعلم أنّه لو لم يتركه لأدركه الهلاك الأبديّ. ثمّ يتذكّر أنّ كلّ كاذب ساقط عن القلوب في الدنيا، ولا يعتني أحد بقوله، وكثيراً ما يُفتضح عند الناس بظهور كذبه. ومن أسباب افتضاحه أنّ الله سبحانه يسلّط عليه النسيان، حتّى أنّه لو قال شيئاً ينسى أنّه قاله، فيقول خلاف ما قاله، فيفتضح. وإلى ذلك أشار الصادق عليه السلام بقوله: "إنّ ممّا أعان الله به على الكذّابين النسيان"6.

"ثمّ يتأمّل في الآيات والأخبار الواردة في مدح ضدّه، أعني الصدق كما يأتي، وبعد ذلك إن لم يكن عدوًّا لنفسه، فليقدّم التروّي في كلّ كلام يريد أن يتكلّم به، فإن كان كذباً يتركه وليجتنب مجالسة الفسّاق وأهل الكذب، ويجالس الصلحاء وأهل الصدق"7.


آثار الكذب

من المناسب الإشارة لبعض آثار الكذب التي ذكرها القرآن الكريم، والروايات الشريفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وآل البيت عليهم السلام فمنها:

1- عدم الهداية:

إذ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾8, ويقول في آية أخرى:

﴿إِنَّ الله لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾9.

57

2- النفاق:

إذ يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾10.

3- فقدان الهيبة بين الناس:

فالكاذب يحتقره المجتمع ويمجّه، وينظر إليه بعين الريبة دوماً، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام فيما روي عنه: "ثمرة الكذب المهانة في الدنيا والعذاب في الآخرة"11.

وعن السيّد المسيح عليه السلام: "من كثر كذبه ذهب بهاؤه"12.

4- فقدان الثقة:

وهذا أمر طبيعي جدّاً، فكيف يصدّق الناس رجلاً معروفاً بالكذب بل يُعدّ التصديق بكلامه من السفه والحمق، وقد جاء في الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: "من عُرف بالكذب قلّت الثقة به، من تجنّب الكذب صدقت أقواله"13.

5– الفقر:

ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الكذب ينقص الرزق"14، وعن الإمام علي عليه السلام: "اعتياد الكذب يورث الفقر"15.

58

الفحش


تمهيد:

الفحش، وهو تلفّظ الكلمات النابية والبذيئة التي يستقبحها العرف، آفّة لو ابتلي بها الإنسان وفقد السيطرة على نفسه، يتسبّب بأذى شديد للآخرين، لأنّ الفحش ليس مجرّد ذكر عورة أو عمل غير لائق، بل يتضمّن نيلاً من أعراض الآخرين في غالب الأحيان.

ويترفّع الإنسان السويّ وذو الفطرة النقيّة عن كلام الفحش، كما أنّ للشرع المقدّس موقفاً منه، وهذا ما سنسلّط الضوء عليه في درسنا هذا إن شاء الله تعالى.


حرمة الفحش

وقفت الشريعة موقفاً قاسياً من الفحّاش حيث حرّمت الفحش، ونبدأ من كتاب الله تعالى إذ يقول جلّ وعلا: ﴿عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾16.

وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم - في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ -: "هو الفاحش اللئيم"17.

وفي تفسير القمّي قال: العتلّ العظيم الكفر الزنيم الدعيّ.

وبمقدار ما نهت الروايات والآيات الشريفة عن الفحش في القول

59

والعمل, فقد أكّدت من جهة أخرى على أهميّة القول الحسن، يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾18.

حيث أكّد الله على القول الحسن قبل تأكيده في الآية على الصلاة والزكاة، وكذلك لو طالعنا الروايات لوجدنا نفس الشيء، ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: "قولوا للناس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم، فإنّ الله يبغض اللّعان السبّاب الطعّان على المؤمنين، الفاحش المتفحّش، السائل الملحف"19.


وللفحش مراتب!

يلجأ بعض المتهتّكين من الفاحشين إلى التبجّح بحالهم وبفسقهم حين ارتكابهم لهذه المعصية، ولا يبالون بغضب الله الذي يلحق بهم حينما يسلكون هذا الطريق الخاطئ، وقد ذمّ أمير المؤمنين عليه السلام هذه الفئة من الناس ووصفها بالسفه، فعنه عليه السلام: "أسفه السفهاء المتبجّح بفحش الكلام"20.

إلّا أنّ بعضاً من الناس أيضاً يبالغون أكثر من ذلك، ويمعنون غوصاً في الفحشاء، إذ يحاولون أن يسخِّروا كلّ قدراتهم في التعبير، لابتداع فحش أفحش ممّا هو معروف لدى الناس، ويتبارون فيما بينهم لا على البرّ والتقوى، وإنّما على من يسخط ربّه والعياذ بالله تعالى أكثر.


الفحش سلاح اللئام

قرنت الروايات الشريفة صفة اللؤم بالرجل الفحَّاش، ولعلّ ذلك

60

لأنّ من لا يتورّع عن شتم أعراض الناس، يحمل في نفسه مرض اللؤم والحقد على الآخرين، من أدنى سبب بل من أتفه سبب أحياناً.

ففي الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: "سلاح اللئام قبيح الكلام"21.


السباب وسيلة العاجز

بعض الناس لا تمتلك القدرة على الإقناع من خلال الحوار، لأنّها لا تبني أفكارها ومعتقداتها وآراءها على أساس علميّ، بل تتبنّى فكراً قابلاً للنقد بكلّ سهولة، وبسبب عدم تمكّنها من تقبّل النقد الذي يحطّم أفكارها الواهية، تقوم في المقابل بردّ لا عمليّ على النقد الموجّه لأفكارها، وهو السباب وتكفير الآخر وتجهليه، وتحويل النقاش الموضوعيّ البنّاء من وسيلة لتطوّر العلم والمعرفة، إلى ساحة للصياح والسباب، والتعرّض بالشتم أو اللّعن.

إنّ هذا النوع من العاجزين عن بناء أفكارهم على أسس متينة، والذين لم يربّوا أنفسهم على تقبّل النقد والنصيحة، واللامتورّعين عن شتم الآخر، هم العاجزون لا عن إثبات أفكارهم فحسب، بل عاجزون عن التطوّر، لأنّ قطع الحوار بهذه الطريقة يلغي تطوّر الفكر، ويبقي الشخص المتمسّك بهذا الخُلق السيّئ، أسير رغبته في الانتقام ممّن يعتقد أنّه "مسّ بمروءته، أو يحاول تحطيمه".


الفاحش شرّ الناس

تصنّف المجتمعات البشريّة المحافظة على القيم الرجل الفاحش في خانة الطبقة الدنيا من المجتمع، ويعتبرونه من الأشخاص الذين

61

يعاب مصاحبهم، ولذا ترى الفاحشين يصاحبون من شابههم من الناس.

وعدّت الروايات الشريفة المتّصفين بهذه الصفة بأنّهم شرُّ الناس، ففي الرواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ من شرِّ الناس من تركه الناس اتّقاء فحشه"22.

ولم تكتفي الروايات بعدّ الفحّاش من شرِّ الناس بل أوعدته النار، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من خاف الناس لسانه فهو في النار"23.


خاتمة:

السباب واللّعن صفتان لم يرغب الشرع الأقدس في اتّصاف المؤمن بهما، ولينظر المرء لنفسه حين يبتلى بهذه الصفة، وليعلم أنّ الرقيب الحسيب يحسب عليه كلّ كلمة يقولها، وسيسأل عنها يوم القيامة.

وليعلم أيضاً أنّ من يوجّه كلامه البذيء لأعراض الناس، سيوجّه له الكلام يوماً ما، فهل سيقبل بهذا؟

بالطبع لا، فلماذا إذن قبل أن يشتم الآخرين، وينال من أعراضهم التي أوصى الله تعالى بسترها، ولم يقبل ذلك على نفسه؟!

فعن الإمام عليّ عليه السلام: "من عاب عيب، ومن شتم أجيب"24.

فإذا كان الفاحش يرى لنفسه ميزةً عن الناس، ورفعةً، فهو يحمل فوق فسقِه لفحشه تكبّراً يودي به إلى جهنّم، حيث ينادي المنادي

62

يومئذٍ: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين﴾25.

فليقف الإنسان مع نفسه قبل أن تخرج أيّة كلمة منه، ليتذكّر ما هي العاقبة، وأنّه في غنى عن عذاب الله تعالى، بسبب كلمة تخرج، حالة غضب، وليعلم أنّ أهل البيت عليهم السلام رفضوا أن يصاحبوا الفحّاشين في الدنيا، فكيف يطمع في لقائهم والقرب منهم في جنّات النعيم، ففي الرواية أنّه كان لأبي عبد الله الصادق عليه السلام صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينما هو يمشي معه في الحذّائين26, ومعه غلام له سنديّ يمشي خلفهما، إذ التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرات فلم يره، فلمّا نظر في الرابعة قال: يا ابن الفاعلة أين كنت؟

قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام يده فصكّ بها جبهة نفسه ثمّ قال عليه السلام: "سبحان الله تقذف أمّه، قد كنت أرى أنّ لك ورعاً فإذا ليس لك ورع.

فقال: جعلت فداك إنّ أمّه سنديّة مشركة، فقال عليه السلام: أما علمت أنّ لكلّ أمّة نكاحاً، تنحّ عنّي. قال: فما رأيته يمشي معه، حتّى فرّق الموت بينهما"27.

63

الغضب


تمهيد:

المرض الأخلاقيّ الأكثر انتشاراً، وأكثر ما يدخل المرء في دائرة المعاصي، وصفه بعض علمائنا قدّس الله أسرارهم قائلاً:

"وهو كيفيّة نفسانيّة موجبة لحركة الروح من الداخل إلى الخارج للغلبة، ومبدؤه شهوة الانتقام، وهو من جانب الإفراط، وإذا اشتدّ يوجب حركة عنيفة، يمتلئ لأجلها الدماغ والأعصاب من الدخان المظلم، فيستر نور العقل ويضعف فعله، ولذا لا يؤثّر في صاحبه الوعظ والنصيحة، بل تزيده الموعظة غلظة وشدّة. قال بعض علماء الأخلاق: "الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة، إلّا أنّها لا تطّلع إلّا على الأفئدة، وإنّها لمستكنّة في طيّ الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد، وتستخرجها حميّة الدين من قلوب المؤمنين، أو حميّة الجاهليّة والكبر الدفين من قلوب الجبّارين، التي لها عرق إلى الشيطان اللعين، حيث قال: }خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ{28, فمن شأن الطين السكون والوقار، ومن شأن النار التلظِّي والاستعار"29.

إلّا أنّ الغضب بحدّ ذاته ليس بصفة قبيحة، بل الذهاب به إلى

65

حيث لا يرضي الله تعالى هو المذموم منه، فالغضب مطلوب في كثير من الأمور، وأوّلها الحميّة في الدفاع عن الحقّ وأهله، والغيرة على الأهل والعيال، والانتقام من أعداء الله تعالى، ولكنّ استخدام الغضب في غير هذه الموارد، ولا سيّما الموارد التي ينبغي فيها التراحم هو المذموم والمنهيّ عنه.


مفتاح كلّ الشرور!

إنّ الغضب المذموم هو الذي وصفته الروايات بأنّه مفتاحٌ لكلّ شر، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "الغضب مفتاح كلّ شرّ"30.

"والسبب في ذلك أنّ حالة الغضب تخرج الإنسان من حالة التعقّل إلى الاندفاع الشديد وراء غريزة الانتقام والتشفّي، وهذا الاندفاع الشديد قد يجرّ الإنسان لمرحلة يفقد فيها السيطرة على نفسه، فينتهك حرمات الله التي نهى عنها، وممّا يلزم الغضب من الآثار المهلكة الذميمة، والأغراض المضرّة القبيحة: انطلاق اللسان بالشتم والسبّ، وإظهار السوء والشماتة... وإفشاء الأسرار وهتك الأستار والسخرية والاستهزاء، وغير ذلك من قبيح الكلام الذي يستحيي منه العقلاء، وتوثّب الأعضاء بالضرب والجرح والتمزيق والقتل، وتألّم القلب بالحقد والحسد والعداوة والبغض، وممّا تلزمه: الندامة بعد زواله، وعداوة الأصدقاء، واستهزاء الأراذل، وشماتة الأعداء. وتغيّر المزاج، وتألّم الروح وسقم البدن، ومكافأة العاجل وعقوبة الآجل"31.

66

ولذلك كانت النصيحة بترك الغضب، مفتاحاً لتخلّص الإنسان من جلِّ الشرور التي يمكن أن يرتكبها، وهذا ما كان ينصح به رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روي أنّه قال رجل للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "يا رسول الله علّمني قال: إذهب ولا تغضب، فقال الرجل: قد اكتفيت بذاك، فمضى إلى أهله، فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفاً ولبسوا السلاح، فلمّا رأى ذلك لبس سلاحه، ثم قام معهم ثم ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تغضب" فرمى السلاح، ثمّ جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدّو قومه، فقال:

يا هؤلاء، ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر، فعليّ في مالي أنا أو فيكموه.

فقال القوم: "فما كان فهو لكم، نحن أولى بذلك منكم، قال: فاصطلح القوم وذهب الغضب"32.


جمرة من إبليس

إذا نظرنا لحالة الغاضب، أي لمظهره الخارجيّ في حالة الغضب، وكيف يحمرّ وجهه ويتغيّر حاله، سنعرف حتماً لماذا وصفت الروايات الشريفة الغضب بأنّه جمرة من الشيطان، الذي خلقه الله تعالى من النار، ففي الرواية عن أبي حمزة الثماليّ، عن أبي جعفر الباقرعليه السلام قال: "إنّ هذا الغضب جمرة من الشيطان، توقد في قلب ابن آدم، وإنّ أحدكم إذا غضب احمّرت عيناه، وانتفخت أوداجه، ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه، فليلزم الأرض، فإنّ رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك"33.

67

لا تغضب

أوصت الروايات الشريفة بشكل لا يوصف من حيث الكثرة المؤمنين بترك الغضب، ووعدت الملتزم بهذه الوصيّة الجزيل من الثواب، يوم يقوم الناس لربّ الأرباب، فممّا جاء في آثار عاقبة ترك الغضب:

1– غفران الله تعالى:

ففي الرواية عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: "مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عزّ وجل به موسى عليه السلام: يا موسى أمسك غضبك عمّن ملّكتك عليه، أكفّ عنك غضبي"34.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من كفّ نفسه عن أعراض الناس، أقال الله نفسه يوم القيامة، ومن كفّ غضبه عن الناس، كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة"35.

2– الستر:

أي الستر من الفضيحة في الدنيا والآخرة، وهذا من الرحمات الإلهيّة الكبرى فقد جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من كفّ غضبه ستر الله عورته"36.

3– انتصار الله له:

إكراماً منه سبحانه وتعالى لعبده المؤمن المسيطر على غرائزه،

68

فقد جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ في التوراة مكتوباً: يا ابن آدم اذكرني حين تغضب، أذكرك عند غضبي، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلمت بمظلمة، فارض بانتصاري لك، فإنّ انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك"37.


كيف نعالج الغضب؟

ذكر العلماء الكثير من الطرق لمعالجة الغضب، وقال بعضهم أنّ هذا المرض لا علاج له، إلّا أنّ الموعظة لا شكّ بأنّها تترك الأثر الكبير في نفس الإنسان، وتحليل الحالة التي تجرّ المرء لارتكاب هذا العمل المذموم يبصّر المرء بحقيقتها.

ففي حالة الغضب، ينبغي على المريض به أن يعلم بأنَّ الغضب لا يعني الرجولة أبداً، وإن كان يمنح المرء حالة من السيطرة على محيطه، يقول العلامة النراقي قدس سره: "والعجب ممن توهّم أن شدّة الغضب من فرط الرجوليّة، مع أنّ ما يصدر عن الغضبان من الحركات القبيحة، إنّما هو أفعال الصبيان والمجانين، دون الرجال والعاقلين، كيف وقد تصدر عنه الحركات غير المنتظمة، من الشتم والسبّ بالنسبة إلى الشمس، والقمر، والسحاب، والمطر، والريح، والشجر، والحيوانات والجمادات، وربّما يضرب القصعة على الأرض، ويكسر المائدة، ويخاطب البهيمة والجماد، كما يخاطب العقلاء، وإذا عجز عن التشفّي، ربّما مزّق ثوبه، ولطم وجهه، وقد يعدو عدو المدهوش المتحيّر، وربّما اعتراه مثل الغشية، أو سقط على الأرض

69

لا يطيق النهوض والعدو. وكيف تكون مثل هذه الأفعال القبيحة من فرط الرجوليّة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الشجاع من يملك نفسه عند غضبه"38.

"ثمّ بعد هذا، يلزم المصاب بالغضب أن يبتعد قدر الإمكان عن المسبّبات والمهيّجات لطبعه، فالبعد عن الأمور المستفزَّة يخفّف من هذه الحالة، ومن الأمور الأساسيّة التي تهيّج الغضب "العجب، والفخر، والكبر، والغدر، واللجاج، والمراء، والمزاح، والاستهزاء، والتعيير، والمخاصمة، وشدّة الحرص على فضول الجاه والأموال الفانية، وهي بأجمعها أخلاق رديّة مهلكة، ولا خلاص من الغضب مع بقائها، فلا بدّ من إزالتها حتى تسهل إزالته"39.

ثمّ على الإنسان أن يتدبّر في ما أوعد الله تعالى به المنتهك للقانون الإلهيّ، وما أعدّه من توعّد للغاضب بغضبه.

وبعد ذلك يبقى عليه أن يذكر الله دائماً عند غضبه، اتّباعاً لما ورد في الروايات الشريفة.

70

هوامش

1- جامع السعادات - النراقي - ج 2 ص 247.
2- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 3 ص 2672.
3- م. ن. - ج 3 ص 2673.
4- النحل:105.
5- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 3 ص 2673.
6- وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 12 ص 245.
7- جامع السعادات - النراقي - ج 2 ص 256.
8- الزمر:3.
9- غافر: من الآية 28.
10- التوبة: 77.
11- ميزان الحكمة - الريشهري - ج 3 ص 2677.
12- م. ن. - ج 3 ص 2677.
13- م. ن. - ج 3 ص 2677.
14- م. ن. - ج 3 ص 2678.
15- م. ن. - ج 3 ص 2678.
16- القلم:13.
17- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 3 ص 2377.
18- البقرة: 83.
19- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 3 ص 2376.
20- م. ن. - ج 3 ص 2376.
21- م. ن. - ج 3 ص 2377.
22- م. ن. - ج 3 ص 2377.
23- م. ن. - ج 3 ص 2377.
24- م. ن. - ج 3 ص 2377.
25- النحل: 28.
26- منطقة فيها صانعو أحذية.
27- الكافي - الكليني - ج 2 ص324.
28- الأعراف: 12.
29- جامع السعادات - النراقي- ج 1 ص 255.
30- وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 15 - ص 358
31- جامع السعادات - النراقي - ج 1 ص 258
32- الكافي - الكليني- ج 2 ص 304
33- م. ن. - ج 2 ص 305
34- م. ن. -ج 2 ص303.
35- م. ن. -ج 2 ص305.
36- م. ن. -ج 2 ص303.
37- م. ن. -ج 2 ص304.
38- جامع السعادات - النراقي - ج 1 ص 258.
39- م. ن. -ج 1 ص 259.


يتبع
26-11-2017 10:03 PM
عباس محمد س الفصل الثالث: كفّ الأذى في الأسرة، الجار، الأصدقاء والزملاء ، الأجير
كفّ الأذى في الأسرة
تمهيد:
يقول إمامنا السجّاد زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ الزوجة فأن تعلم أنّ الله عزّ وجلّ جعلها لك سكناً وأنساً، فتعلم أنّ ذلك نعمة من الله عليك، فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقّك عليها أوجب، فإنّ لها عليك أن ترحمها لأنّها أسيرك، وتطعمها وتكسوها، وإذا جهلت عفوت عنها.
وأمّا حقّ أخيك فأن تعلم أنّه يدك وعزّك وقوّتك، فلا تتّخذه سلاحاً على معصية الله ولا عدّة للظلم لخلق الله، ولا تدع نصرته على عدوّه، والنصيحة له، فإن أطاع الله وإلّا فليكن الله أكرم عليك منه، ولا قوّة إلّا بالله.
وأمّا حقّ أمّك فأن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحداً، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحي وتظلّك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد، لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها إلّا بعون الله وتوفيقه. وأمّا حقّ أبيك فأن تعلم أنّه أصلك، وأنّه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ممّا يعجبك، فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه فاحمد
25
الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوّة إلّا بالله.
وأمّا حقّ ولدك فأن تعلم أنّه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا ولّيته به من حسن الأدب والدلالة على ربّه عزّ وجلّ والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه".
هذه بعض الحقوق التي ذكرها الإمام السجّاد عليه السلام في رسالة الحقوق، وهي تختصر سلوك المرء في أسرته ومع أرحامه، وما سنسلّط الضوء عليه منها، هو ما يتعلّق بكفّ الأذى في النطاق الأسريّ.
كفّ الأذى عن الوالدين
لقد وقف الشارع موقفاً حاسماً من التعاطي بأيّ شكل من أشكال السلبيّة مع الوالدين، بل إنّ الله تعالى قرن طاعتهما بطاعته ونهى نهياً شديداً في آياته عن التعرّض لهما إذ يقول في محكم آياته: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾1، ويقول في آية أخرى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا ْإلّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾2.
إنّ تكريم الوالدين فضلاً عن ترك أذاهما من أقلّ ما يمكن أن يقوم به الإنسان تجاه من بذل الغالي والنفيس في سبيل تربيته، وتعب في ليله ونهاره كي يقوده إلى أن يكون عنصراً ناجحا في أمّته, ولا يحتاج الإنسان ليستبين هذه الحقيقة إلى أن يقرأها في القرآن أو يستفيدها
26
من أيّ حديث شريف، فالبرّ بالوالدين من الأمور التي تدعو إليها الفطرة السليمة النقيّة، وإنّ حقّ الوالدين هذا إنسانيّ بامتياز، قبل أن يكّون حقاً إجتماعيّاً أو شرعيّاً.
ولكن لننظر قليلاً لما أولاه الشرع من تأكيد على هذا البرّ، ولننظر كيف أشار الإمام السجاد عليه السلام في هذه الحقوق إذ يقول بعد أن يعدّد ما لفضل الأم على الولد من حيث تقديمها له على نفسها، إذ كانت تجوع ويشبع، وتسهر عليه لينام، جاعلاً مكافأة هذا الصنيع ممّا يحتاج إلى توفيق من الله تعالى يقول عليه السلام:
"وأمّا حقّ أمّك فأن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداّ، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحداً، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحي وتظلّك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد، لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها إلا بعون الله وتوفيقه".
فإذا كان مقدار التأكيد على طاعتهما والبرّ بهما بهذه الدرجة من الأهميّة فما بالك بمن لا يتورّع عن جلب الأذى لهما في كبرهما، وهذا ما سنسلّط الضوء عليه وعلى عواقبه.
المجازاة بسوء الصنيع
في مقابل كلّ هذا التفاني والتضحية التي يقدّمها الوالدان للإبن، فإنّ أدنى ما يقال في أذاهما أنّه مجازاة لحسن الصنيع بعمل قبيح، على أنّ جزاء الإحسان إنمّا يكون بإحسان مقابل، يقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾3.
27
وحينما نتحدّث عن سوء الصنيع والأذى, يكون الكلام عن كلّ أشكال الأذيّة التي يمكن أن يستشعر بها الوالدان، فالأب والأمّ يتوّقعان من الولد أن يكون:
1– معيلاً لهما في كبرهما:
فيساعدهما على تخطّي العجز الجسديّ، ولا سيّما الأب الذي قد يصل لمرحلة لا يستطيع أن يعمل بها، بسبب العجز وعدم القدرة على تحمّل المشقّات. ومعيلاً لهما من الجهة المعنويّة، بحيث يشعران بوجود من يمكنهما الاعتماد عليه، والدفاع عنهما إن ألمّ بهما أيّ سوء، وهذه حاجة نفسيّة في غاية الأهميّة لكبار السنّ.
2– مطيعاً لهما:
بمعنى أن يستفيد من تجربتهما في الحياة، وهي تجربة طويلة، وحينما يقدّمها الأهل للولد مجّاناً، فإنّها تكون قد حدثت لهما بعد تحمّل الكثير من الشقاء والتعب.
3– مكرماً لهما:
بمعنى أن يحافظ على مكانتهما التي احتلّوها بما بذلاً لأجله، فيرفع من قدرهما, ويبيّن بين الناس محاسنهما, ويحفظ لهما حسن صنيعهما معه.
4– خلفاً صالحاً:
لأنّ من سعادة المرء في الدارين أن يخلفه ولد صالح، بحيث يكرمه
28
في حياته، ولا يهينه في مرحلة الشيخوخة والكبر، ويجرّ إليه الذكر الطيّب والرحمات بعد وفاته، من خلال الأعمال التي يرسلها الحيّ إلى أهل البرزخ، ومن خلال عمله الذي يذكّر الناس بطيب أصله وحسن تربيته.
فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "ثلاثة من السعادة: الزوجة المؤاتية، والأولاد البارّون، والرجل يرزق معيشته ببلده، يغدو إلى أهله و يروح"4.
وعن عليّ بن الحسين عليهما السلام أنّه قال: "من سعادة المرء أن يكون متجره في بلده، ويكون خلطاؤه صالحين، ويكون له ولد يستعين بهم"5.
إنّ أيّ تخلّف عن تحقيق هذه الآمال التي ذكرناها، يعتبر نوعاً من العقوق المنهيّ عنه في الشريعة، وهو أيضاً سلوكٌ لا يتناسب والفطرة السليمة، الداعية لشكر المنعم والمحسن، وسلوكاً منحرفاً في نظر الضمير الإنسانيّ العامّ.
العقوق من الكبائر
عدّ العلماء العظام والفقهاء المجتهدون العقوق من كبائر الذنوب، بناءً على ما جاء في روايات أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "وأمّا الكبائر فهي كلّ معصية ورد التوعيد عليها بالنار أو بالعقاب، أو شدّد عليها تشديداً عظيماً، أو دلّ دليل على كونها أكبر من بعض الكبائر أو مثلها، أو حكم العقل على أنّها
29
كبيرة، أو كان في ارتكاز المتشرّعة كذلك، أو ورد النصّ بكونها كبيرة، وهي كثيرة: "منها اليأس من روح الله، والأمن من مكره والكذب عليه أو على رسوله وأوصيائه عليهم السلام، وقتل النفس التي حرّمها الله إلّا بالحقّ، وعقوق الوالدين"6.
وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ من الكبائر عقوق الوالدين، واليأس من رَوح الله، والأمن من مكر الله"7.
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: "الكبائر: القنوط من رحمة الله، واليأس من رَوح الله، والأمن من مكر الله، وقتل النفس التي حرّم الله، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البيّنة، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، فقيل له: أرأيت المرتكب للكبيرة يموت عليها، أتخرجه من الإيمان، وإن عذّب بها فيكون عذابه كعذاب المشركين، أو له انقطاع؟ قال: يخرج من الإسلام إذا زعم أنّها حلال، ولذلك يعذّب أشدّ العذاب، وإن كان معترفاً بأنّها كبيرة وهي عليه حرام، وأنّه يعذّب عليها وأنّها غير حلال، فإنّه معذّب عليها، وهو أهون عذاباً من الأوّل، ويخرجه من الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام"8.
عاقبة العقوق العاجلة
إنّ هنالك نوعاً من الذنوب يعجّل به العذاب في الدنيا قبل الآخرة، وذلك لشدّة عظمة الذنب وقبحه الشديد، ومن تلك الذنوب عقوق
30
الوالدين، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاثة من الذنوب تعجّل عقوبتها، ولا تؤخّر إلى الآخرة: عقوق الوالدين، والبغي على الناس، وكفر الإحسان"9.
ومن عقوبات العقوق في الدنيا زوال النعم التي منّ الله تعالى بها على العبد، والتي أشير إليها في دعاء كميل بن زياد رحمه الله: "اللهمّ اغفر لي الذنوب التي تغيِّر النعم"، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "الذنوب التي تغيرّ النعم: البغي، والذنوب التي تورث الندم: القتل، والتي تنزل النقم: الظلم، والتي تهتك الستور: شرب الخمر، والتي تحبس الرزق: الزنى، والتي تعجّل الفناء: قطيعة الرحم، والتي ترّد الدعاء وتظلم الهواء: عقوق الوالدين"10.
31
الجار
تمهيد:
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾11.
إنّ المجتمع الإسلاميّ يعتمد في علاقاته الاجتماعيّة على القيم التي أرستها الرسالة المحمّديّة، والتي حوت من التعاليم والإرشادات ما من شأنها أن تنتقل بالمجتمع من مجموعات لا يجمع بينها سوى القرب الجغرافي، إلى مجتمع واحد تحكمه روابط عميقة ترتكز في النفوس، قبل أن تكون مجرّد مجاملات ظاهريّة يقتضيها ذلك القرب.
ومن أكثر ما يلفت النظر في هذا المجال، ما أولاه الدين الإسلاميّ من رعاية لحالة الجوار، وما جاء فيه من كثير من الأحاديث، والتأكيد القرآنيّ عليه بالدرجة الأولى، فإذا لاحظنا هذه الآية الشريفة، التي تدعو بشكل واضح لإيلاء الجار ذي القربى والجار الجنب حقّه، فمن الواضح أنّ هنالك ما يترتّب على هذه القرابة من حقوق، وهذا ما سنحاول الإضاءة عليه في هذا الدرس.
33
وسنتعرّض في بداية الدرس إلى مسألة في غاية الأهميّة، عن الروابط التي تربط بين البشر لنصل من خلالها إلى فهم الأساس الذي بنيت عليه هذه الدعوة لحقّ الجوار والجار.
الروابط بين البشر
لا شكّ بأنّ ما يجمع البشر بشتّى ألوانهم وأديانهم وانتماءاتهم السياسيّة والمذهبيّة، أكبر من مجرّد السكن على كوكبنا الأزرق، وهو الرابط الإنسانيّ.
فالإنسان أخو الإنسان، وكلّنا من نسل واحد يرجع إلى آدم عليه السلام، وهذا رابط أساس لا بدّ من عدم الغفلة عنه، وقد أشارت إليه الروايات الشريفة، فعن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها الناس إنّكم من آدم وآدم من طين، ألا وإنّ خيركم عند الله وأكرمكم عليه اليوم أتقاكم، وأطوعكم له، ألا وإنّ العربيّة ليست بأبٍ والد، ولكنّها لسان ناطق"12.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق"13.
فالرابط الأوّل بين الناس هو الرابط الإنسانيّ بالانتساب إلى آدم عليه السلام.
رابط آخر يجمع ما بين الناس، وهو الانتماء الدينيّ، فهناك قوم يتبعون ديناً ما، وآخرون يتبعون ديناً آخر، وتشكّل كلّ مجموعة منتسبة إلى دين ما طائفة، تتوحّد فيما بينها من خلال التديّن بدين واحد، ويربط بينها رابط دينيّ، فالمسلم أخو المسلم، يربط بينهما الإعتقاد
34
والإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾14.
وثمّة رابط آخر يجمع من بين الناس، وهو الرابط بالنسب والقرابة، كالخال والعمّ والجدّ والحفيد، والصهر والعمّ والد الزوجة، فهذا الرابط يجمع ما بين الناس أيضاً، وقد يسمّى الرابط العائليّ.
ومن الروابط التي تربط بين البشر رابط القرب الجغرافيّ، فسكّان قارّة آسيا يجمعهم عنوان "الآسيويّون"وكذلك الحال في القارات الأخرى، ولكنّ الرابط الجغرافيّ، يضيق شيئاً فشيئاً لحدود المدينة والقرية، ومن ثمّ الحيّ السكنيّ وصولاً إلى الجوار.
قيمة الجار في الإسلام
لقد نظر الإسلام نظرة خاصّةً إلى الجوار، هي أبعد ما تكون عن مجرّد حالة من حالات التجمّع الإنسانيّ المشكّل للمجتمع، ولكنّه أراد من خلال ما افترضه من حقوق بين المتجاورين وآداب للتعاطي بينهم فرض السلام الاجتماعيّ المبنيّ على المودّة والاحترام المتبادل، لذا كان الوحي يتنزّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دوماً، منبّهاً وموصياً بحفظ الجار وأداء حقّه، ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "قيل يا نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفي المال حقّ سوى الزكاة؟
قال: نعم برُّ الرحم إذا أدبرت، وصلة الجار المسلم، فما آمن بي من بات شبعان وجاره المسلم جائع، ثمّ قال: ما زال جبرائيل عليه السلام يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه"15.
35
ماذا يربطنا بالجار؟
ذكرنا فيما سبق أنّ هنالك العديد من الروابط التي تربط بين البشر، وقد تشترك بعض هذه الروابط مع بعضها البعض كما هو حاصل لدينا في مسألة الجوار، ولهذا ينبّه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّه قد يكون للجار المسلم أكثر من حقّ الجوار، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق:
حقّ الإسلام، وحقّ الجوار وحقّ القرابة.
ومنهم من له حقّان: حقّ الإسلام، وحقّ الجوار.
ومنهم من له حقّ واحد: الكافر له حقّ الجوار"16.
من حقوق الجار
لخَّص الإمام السجّاد زين العابدين عليه السلام حقوق الجار في صحيفته السجاديَّة المباركة فقال:
"وأمّا حقّ جارك، فحفظه غائباً، وإكرامه شاهداً، ونصرته إذا كان مظلوماً، ولا تتبّع له عورة، فإن علمت عليه سوءاً سترته عليه، وإن علمت أنّه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلمه عند شديدة، وتقيل عثرته، وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرة كريمة، ولا قوّة إلا بالله".
وسنضيء على بعض ما ورد من هذه الحقوق، والتي تتعلّق بشكل أساسيّ بكفّ الأذى، فأوّل هذه الحقوق:
36
1- لا تتبع له عورة
سواء بحفظ خصوصيّته في بيته، إذا كان بيتك مشرفاً على داره، بحيث تغضّ الطرف عن النظر إلى داخله, وتكفّ بصرك عن عياله، وهذا ما كان من أخلاق العرب ما قبل الإسلام، وأكّد عليه الدين الحنيف. ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ملأ عينه من حرام، ملأ الله عينه يوم القيامة من النار، إلّا أن يتوب ويرجع"17.
وليعلم المؤمن أنّه تحت نظر الله تعالى، وأنّ الله تعالى أمره بالستر على عورات الناس، ولا سيّما الجار، وأنّ كفّ البصر عن الحرام في هذه المواطن ممّا يورث المرء حلاوة من الإيمان، ويضيف لانتصاراته على الشيطان انتصاراً آخر، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما اعتصم أحد بمثل ما اعتصم بغضّ البصر، فإنّ البصر لا يغضّ عن محارم الله إلّاوقد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة والجلال"18.
وسئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: بما يستعان على غضّ البصر؟
فقال: "بالخمود تحت سلطان المطّلع على سترك"19.
فإنّه وإن كان لا يراك ناظر حين تنظر لعورات الآخرين، إلّا أنّ هنالك ناظراً يراك في كلّ سرّك وعلانيّتك ويراقبك، وملائكته تحصي عليك النظرة والطرفة، وما هو أدنى من ذلك.
37
2- أن تحفظه في غيبته
فترعى حال عياله وأطفاله، وتقضي لهم من حوائج الدنيا ما يحتاجون إليه، فهذا من الحقوق التي لا ينبغي التفريط فيها، ففي الرواية عن الإمام السجّاد عليه السلام: "ولا تخرج أن تكون سلماً له، تردّ عنه لسان الشتيمة، وتبطل فيه كيد حامل النصيحة"20.
ولا بأس بالتنبيه إلى خصوصيّة الجار المجاهد، فإنّ رعاية حال عياله وحفظه في غيبته أوجب في الحقوق، وحقّه بجهاده يضاف إلى حقّ الجوار وحقّ الأخوّة في الإيمان، وعليه فإنّ من حقّ الجار المجاهد أن نكفّ عنه الأذى، ولا نخلفه في أهله خلافة السوء، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من اغتاب غازياً في سبيل الله أو آذاه أو خلفه بسوء في أهله، نصب له يوم القيامة علمُ غدرٍ فيستفرغ حسناته، ثمّ يركس في النار"21.
38
الأصدقاء والزملاء
حقّ الصاحب:
عن الإمام زين العابدين عليه السلام "وأما حق الصاحب فأن تصحبه بالتفضل والإنصاف وتكرمه كما يكرمك ولا تدعه يسبق إلى مكرمة فإن سبق كافأته وتودّه كما يودّك وتزجره عما يهم به من معصية وكن عليه رحمة ولا تكن عليه عذاباً ولا قوّة إلا بالله".
حينما ينهمك المرء وينشغل في متاعب الحياة، ويراكم كلّ هذا الكمّ الهائل من المشاكل التي تواجهه, فإنّه يحتاج إلى فسحة يستريح بها، ويستعيد من خلالها نشاطه وهمّته المتداعية.
وحينما ينفرد المرء وتعتلج المشاعر في نفسه، وتتضاربه الأفكار حينما يخطّط للحياة، فإنّه يحتاج لفسحة أخرى.
وحينما يضيق الصدر بما يحمل، يحتاج الإنسان إلى فسحة أيضاً، وهذه الفسحة هي الصديق والأخ في الله.
ورد في الرواية عن إمامنا الصادق عليه السلام: "لكلّ شيءٍ شيءٌ يستريح إليه، وإنّ المؤمن يستريح إلى أخيه المؤمن، كما يستريح الطير إلى شكله"22.
إنّ الأخ في الله هو نعمة إلهيّة على العبد، لا تقدّر بكلّ كنوز الدنيا،
39
والتفريط بها لا يقلّ شأناً عن التفريط بأثمن النعم، كيف لا، وحال من فقد الصديق معروف لدى المجرّبين، من التعب والأرق والندامة.
فكيف نحافظ على هذه النعمة؟ وما هو موقف الشارع المقدّس من الإساءة إليها؟ هذا ما سنتعرّض له إن شاء الله تعالى، جعلنا الله وإيّاكم من المحافظين على نعمائه.
لماذا نكتسب الأصدقاء؟
لا بدّ للإنسان الاجتماعي من اكتساب الصديق، ولا غنى له عنه في زحمة الحياة، كيف لا والصديق أقرب الناس إلى الصديق، وهو المعين في وقت الضيق، والمشتكى حين لا سامع من سائر الناس، ولهذا أكّد أهل البيت عليهم السلام على اكتساب الإخوان، والإكثار منهم؛ ففي الرواية عن الإمام علي عليه السلام: "عليك بإخوان الصدق، فأكثر من اكتسابهم، فإنّهم عدّة عند الرخاء، وجُنَّة عند البلاء"23.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا وإنّ المؤمنَين إذا تحابَّا في الله عزّ وجلّ وتصافيا بالله، كانا كالجسد الواحد، إذا اشتكى أحدهما من جسده موضعاً، وجد الآخر ألم ذلك الموضع"24.
بل إنّ لاكتساب الأخ فضلاً عمّا في نفعه للدنيا أجراً في الآخرة، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جدّد أخاً في الإسلام، بنى الله له برجاً في الجنّة"25.
هذا مضافاً لعظيم نفعهم الأخرويّ وهو الشفاعة، أي شفاعة الأخ
40
للأخ والصديق للصديق، وهذا هو أثمن ما يمكن الحصول عليه في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إستكثروا من الإخوان فإنّ لكلّ مؤمن شفاعة يوم القيامة"26.
لا تفرّط بأخيك
لأهميّة هذا كلّه ينبغي عدم التفريط بالأصدقاء والإخوة المكتسبين في الله، ولهذا ينبغي مراعاة المشاعر بين الصديقين لكي يدوم الودّ بينهما، وسنسلّط الضوء على بعض ما يفسد الودّ، والذي ينبغي علينا تجنّبه قدر الإمكان للحفاظ على هذه النعمة الإلهيّة.
فممّا يفسد الودّ بين الأخوة المتحابّين في الله تعالى:
1- ذهاب الحشمة
والمراد من ذهاب الحشمة انعدام الحياء بين الأصدقاء والإخوة، وكثيراً ما يحدث هذا من خلال التحدّث بأمورٍ خصوصيّة تخصّ الإنسان، وقد نهت الروايات عن هذا الأمر، فعن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام: "لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك، أبقِ منها، فإنّ ذهابَها ذهابُ الحياء"27.
2– ترك الحقوق
فترك الحقوق التي أرشدتنا إليها روايات أهل البيت عليهم السلام، يولّد التوتّر في العلاقة، لما يستتبع تركها من عتاب قد لا يكون بالشكل اللائق الذي يعبّر عنه بالنقد البنّاء، فالكثير من الناس لا تملك
41
الأسلوب المناسب في الحوار، وتحاول النقد بشكل سلبيّ للغاية، وباستعمال عبارات خادشة للأحاسيس، ممّا يوّلد توتّراً في العلاقة بين الأخوة، لهذا ينصح لتفادي هذا كلّه، أن يبتعد الإنسان عن أصل المشكلة، ومحاولة دَرْء هذا التوتّر من خلال الالتزام بالحقوق التي افترضت بين الإخوان في الله تعالى.
والحقوق التي أشارت إليها الروايات اختصرها إمامنا زين العابدين عليه السلام بقوله في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ الصاحب فأن تصحبه بالتفضّل والإنصاف، وتكرمه كما يكرمك ولا تدعه يسبق إلى مكرمة، فإن سبق كافأته، وتودّه كما يودّك، وتزجره عما يهمّ به من معصية، وكن عليه رحمة، ولا تكن عليه عذاباً، ولا قوّة إلا بالله".
خسارة الإخوان
ما أصعب أن تجد الصديق والأخ الذي يشعرك بأنّه النصف المكمّل لك، والذي لا تجده إلّا أمامك حتّى في أحلك الظروف، والذي يؤنسك حين تُعييك السبل عن تنفيس الكرب، فيكون الماء البارد الذي يزيح عنك حرراة الحياة وتعبها.
لكن الأصعب من هذا كلّه، أن يضيع منك هذا الكنز في لحظة غضب عابرة, أو خطرة سوء ظنٍ من شيطان رجيم، من شياطين الإنس أو الجنّ.
هنا تكون الخسارة الفادحة التي لا يمكن التعويض عنها، وهنا قد لا ينفع الندم فيما لو كان جرح الأخ كبيراً فيصعب التئامه.
42
لذا إخوتنا لا نكن ممّن جاء فيهم الحديث عن لسان أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، إذ ورد عنه قوله: "أعجز الناس من عجز عن اكتساب الأخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم"28.
ولو وقع بين الأخ وأخيه بينٌ وخلاف، فعلى سائر إخوانهما السعي في إصلاح ذات بينهما، ومحاولة ردم الهوّة التي وقعت بينهما، ولأم الجراح التي أسعدت حال إبليس، الذي أفرح ما يفرح به الوقيعة بين أخوين، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾29.
كما أنّه علينا إذا جاءنا أخ في الله معتذراً أن نقبل العذر منه، لأنّ ترك المعذرة من شيم اللئام، وجاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ أخاك حقّاً من غفر زلّتك، وسدّ خلّتك، وقبل عذرك، وستر عورتك، ونفى وجلك، وحقّق أملك"30.
43
الأجير
تمهيد:
يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾31.
التصوّر السائد لدى كثير من أهل الغنى أنّ استخدامهم لأجراء يعملون لديهم يجعلهم الأعلى مقاماً، هذا ما تشير إليه الآية الكريمة، منبّهة إلى أنّ التكامل في الحياة يكون من خلال تسخير البشر لبعضهم البعض، فيستفيد الأجير من مال الغنيّ ومتاعه، مقابل ما يقدّمه له من خدمات يعجز عن أدائها بنفسه، بسبب عدم توفّر الخبرة اللازمة، أو عدم قدرته على مباشرتها بنفسه.
يقول آية الله ناصر مكارم الشيرازي دام ظله معلّقاً على الآية: "إنّ وجود التفاوت والاختلاف بين البشر من ناحية مستوى المعيشة، لا يدلّ على تفاوتهم في المقامات والمنازل المعنويّة مطلقاً، بل: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات، ليتّخذ بعضهم بعضاً سخريّاً. لقد نسي هؤلاء أنّ حياة البشر حياة جماعيّة، ولا يمكن أن تدار إلّا عن طريق التعاون
45
والخدمة المتبادلة، فإذا ما تساوى كلّ الناس في مستوى معيشتهم وقابليّاتهم ومكانتهم الاجتماعيّة، فإنّ أصل التعاون والخدمة المتبادلة سيتزلزل.
بناء على هذا فينبغي أن لا يخدعهم هذا التفاوت، ويظنّوا أنّه معيار القيم الإنسانيّة، إذ: ورحمة ربّك خير ممّا يجمعون. بل إنّ كلّ المقامات والثروات لا تعدل جناح بعوضة، في مقابل رحمة الله والقرب منه"32.
هل الخدمة والتسخير إذلال ؟
يحاول أعداء الإسلام ومن يهمّه توجيه الطعنات إلى الدين، أن يدخل من خلال كلمة التسخير في الآية الكريمة، ليستدلّ على أنّ الإسلام دين يمارس الطبقيّة، ويكرّسها من خلال إباحته لتسخير العمّال في خدمة ذوي النفوذ والطبقة المترفة والمقتدرة ماديّاً، إلّا أنّ المدقّق فيما تعنيه الآية الكريمة، يتبيّن له أنّ معنى الآية لا يعني إطلاقاً أنّ "جماعة معيّنة من البشر، تسخِّر جماعة أخرى لأنفسها تسخيراً ظالماً يمتصّ الدماء والجهود، في حين أنّ الأمر ليس كذلك، بل هو استخدام الناس بعضهم بعضاً، أي أنّ كلّ جماعة من الناس لهم إمكانيات واستعدادات خاصة، يستطيعون العمل بواسطتها في مجال ما من شؤون الحياة، وهم بطبيعة الحال يقدّمون خدماتهم في ذلك الحقل إلى الآخرين، كما أنّ خدمات الآخرين في الحقول الأخرى تقدّم إليهم.
46
فالتسخير هو استخدام متبادل، وخدمة ذات طرفين، وبتعبير آخر: فإنّ الهدف من التسخير هو التعاون في أمر الحياة، ولا شيء آخر. ولا يخفى أنّ البشر لو كانوا متساوين جميعاّ من ناحية الذكاء والاستعداد الروحيّ والجسميّ، فسوف لن تتهيّأ مستلزمات الحياة الاجتماعيّة، والنظم الحياتيّة مطلقاً، كما أنّ خلايا جسم الإنسان لو كانت متشابهة من ناحية البنية والرقّة والمقاومة، لاختلّ نظام الجسم، فأين خلايا عظم كعب القدم القويّة جداً من خلايا العين الرقيقة؟ إنّ لكلّ من هاتين مهمّة خاصّة بنيت على أساسها. والمثال الحيّ الذي يمكن أن يضرب لهذا الموضوع هو الخدمات المتبادلة في جهاز التنفّس، ودوران الدم، والتغذية، وسائر أجهزة بدن الإنسان، التي هي مصداق واضح ليتّخذ بعضهم بعضاً سخريّاً، في إطار نشاطات البدن الداخلية، فهل يمكن الإشكال على مثل هذا التسخير؟"33.
مكانة العامل
يتعاطى الإسلام مع مسألة العامل من منطلق إنسانيّ، فالعامل كسائر البشر، ولا ينقص من قدره أنّ يكون أجيراً لقاء عمله، كما أنّ عمله لدى إنسان آخر، لا يعلي من مقدار ذلك الإنسان، فالأجير والمستأجر في الإنسانيّة سواء، وهذا ما تحكم به الفطرة السليمة.
وبناء على هذا المبدأ، لا بدّ وأن تبنى عليه سائر المسائل، ومن الأمور التي أكّد عليها الإسلام بخصوص العامل:
47
1– الرأفة به:
بمداراته وعدم القسوة في التعاطي معه بتحميله ما لا يحتمل أو ما يفوق طاقته، وفضل المداراة كثير، بل إنّ هناك عشرات الروايات التي أشارت بشكل مباشر وغير مباشر إلى فضل المدارة، منها ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش"34.
وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس، في غير ترك حقّ"35.
2– العفو عنه:
فيما لو أخلّ بغير قصد ببعض ما أوكل إليه، وهذا ما كان من أخلاق أهل البيت عليهم السلام، ففي الرواية أنّه جعلت جارية لعليّ بن الحسين عليه السلام تسكب الماء عليه وهو يتوضّأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجّه، فرفع عليّ بن الحسين عليه السلام رأسه إليها، فقالت الجارية: "إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿والكاظمين الغيظ﴾.
فقال عليه السلام لها: قد كظمت غيظي.
قالت: ﴿والعافين عن الناس﴾.
قال عليه السلام لها: قد عفا الله عنك.
قالت: ﴿والله يحبّ المحسنين﴾36.
48
قال عليه السلام: إذهبي فأنت حرّة"37.
ويكفي ما في العفو من الفضل، ما ورد في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أوقف العباد نادى منادٍ: ليقم من أجره على الله وليدخل الجنّة، قيل: من ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافون عن الناس"38.
ومن وصيّة الإمام عليّ عليه السلام - للأشتر لمّا ولّاه مصر -: "ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك، مثل الذي تحبّ وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه... ولا تندمنّ على عفو، ولا تبجحنّ بعقوبة"39.
خير الطعام
إنّ العمّال أكرمهم الله تعالى لأنّ كسبهم من خير الكسب، فهو من عرق الجبين وكدّ اليمين، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أكل أحد طعاماً قطّ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيّ الله داود كان يأكل من عمل يده"40.
فينبغي النظر إليهم بالعين التي نظر إليهم فيها الإسلام، ولهذا ينبغي رفع الظلم الذي يلحق بهم، من خلال أداء حقوقهم إليهم كاملة
49
دون نقصان، لتحقيق العدالة التي حثّت عليها الروايات الواردة من آل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ما عمرت البلدان بمثل العدل"41.
وعنه عليه السلام: "جعل الله سبحانه العدل قواماً للأنام، وتنزيهاً من المظالم والآثام، وتسنية للإسلام"42.
فهل سيأتي اليوم الذي نرى فيه العمّال في غاية الإنصاف من البشر، ولا يعانون من التمييز والاضطهاد؟
هذا ما يتوقّف عليه سلوك كلّ فرد منّا، حينما يشعر بالمسؤوليّة الشرعيّة والإنسانيّة تجاه العامل، فيكفّ أذاه عنه، ومن إصلاح النفس يبدأ مشوار الألف ميل، لتحقيق العدالة الاجتماعيّة.
50
هوامش
1- النساء: 36.
2- الإسراء: 23.
3- الرحمن: 60.
4- الكافي-الكليني- ج 5 ص258.
5- م. ن. ج 5 ص258.
6- تحرير الوسيلة - السيد الخميني - ج 1 ص 274.
7- الكافي- الكليني- ج 2 ص278.
8- م. ن. - ج 2 ص280.
9- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 70 ص 373.
10- م. ن، ص 374.
11- النساء: 36.
12- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 21 ص 138.
13- نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام - ج 3 ص 84.
14- الحجرات: 10.
15- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 71 ص 94.
16- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 8 ص 424.
17- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 ص 3291.
18- م. ن. - ج4 ص 3293.
19- م. ن. - ج 4 ص 3293.
20- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 71 ص 17.
21- م. ن. - ج 97 ص 50.
22- بحار الأنوار - العلّامة المجلسي - ج74 ص 234.
23- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - الحديث 155.
24- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج74، ص280.
25- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - الحديث 158.
26- م. ن. - الحديث 161.
27- وسائل الشيعة - الحرّ العاملي - ج 12 ص 146.
28- ميزان الحكمة، الحديث 159.
29- الحجرات: 10.
30- غرر الحكم ح / 3645.
31- الزخرف: 32.
32- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج 16 ص 44.
33- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج16، ص45 – 46.
34- الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 ص 117.
35- تحف العقول- ابن شعبة الحراني - ص 42.
36- الآيات من سورة آل عمران: 134.
37- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 1 ص 345.
38- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 3 ص 2012.
39- م. ن. - ج 3 ص 2013.
40- ميزان الحكمة - محمد الري شهري - ج 3 ص 2699.
41- ميزان الحكمة - محمد الري شهري - ج 3 ص 1839.
42- ميزان الحكمة - محمد الري شهري - ج 3 ص 1838.
يتبع
26-11-2017 10:02 PM
عباس محمد س الفصل الثاني: كفّ الأذى عن الله ورسوله

كفُّ الأذى عن الله ورسوله


تمهيد:

يقول سبحانه وتعالى في محكم آياته وفصل خطابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾1.

ممّا لا ريب فيه أنّ الله تعالى غنيٌّ عن الخلق، غير محتاج إليهم في شيء من أعمالهم وعباداتهم، وكذلك لا تضرّه المعصية ومخالفة أوامره, يقول أمير المؤمنين عليه السلام: "أمّا بعد، فإنّ الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيّاً عن طاعتهم، آمناً من معصيتهم، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه"2.


فما المراد من قول الله تعالى يؤذون اللّه؟

يقول العلّامة الطباطبائيّ مجيباً عن هذا السؤال: "من المعلوم أنّ الله سبحانه منزّه من أن يناله الأذى وكلّ ما فيه وصمة النقص والهوان، فذكره مع الرسول وتشريكه في إيذائه تشريف للرسول، وإشارة إلى أنّ من قصد رسوله بسوء فقد قصده أيضاً بالسوء، إذ ليس للرسول بما أنّه رسول إلّا ربّه، فمن قصده فقد قصد ربَّه. وقد أوعدهم باللّعن في الدنيا والآخرة، واللّعن هو الإبعاد من الرحمة،

17

والرحمة الخاصة بالمؤمنين هي الهداية إلى الإعتقاد الحقّ وحقيقة الإيمان"3.

فالمراد إذاً أنّ من يتوجّه بالأذيّة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويقصدها فكأنّما يتوجّه لله تعالى بالأذيّة, فما هي الأمور التي تؤذي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؟

هذا ما سنتعرّض إليه بذكر بعض النماذج منها، سائلين الله تعالى أن ينزّهنا عن هذا العمل، الذي لا شكّ أنّ عاقبته الغضب الإلهيّ المحتّم، كما بيّنت الآية الشريفة.


1- التكذيب برسالته صلى الله عليه وآله وسلم

وليس المراد هنا التكذيب بمعنى الكفر الصريح، كأن يقول الإنسان إنّ الرسول ليس نبيّاً والعياذ بالله، فمن الواضح أنّ التصديق بالنبوّة من أسس الإسلام،إلّا أنّ المقصود عدم التكذيب بالعمل، وهذا ما قد يقع فيه الإنسان من حيث لا يلتفت، كإنكار بعض الفرائض، والتشكيك في الأحكام الإلهيّة التي أتى بها صلى الله عليه وآله وسلم، كما حدث يوم الغدير، حينما بلّغ الناس بولاية أمير المؤمنين عليه السلام.

ينقل لنا التاريخ هذه القصّة: "إنّه لمّا بلَّغ رسول صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خمّ ما بلّغ، وشاع ذلك في البلاد، أتى الحارث بن النعمان الفهريّ، وفي رواية أبي عبيد جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العيدريّ فقال: يا محمّد أمرتنا عن الله بشهادة أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمّداً رسول الله، وبالصلاة والصوم والحجّ والزكاة فقبلنا منك، ثمّ لم ترض بذلك حتّى رفعت بضبع ابن عمّك ففضّلته علينا وقلت

18

من كنت مولاه فعليّ مولاه، فهذا شيء منك أم من الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي لا إله إلّا هو إنّ هذا من الله، فوّلى الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمّد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو اتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتّى رماه الله بحجر، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله، فأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾4"5.

فهذا نوع من أنواع التكذيب الذي نقله التاريخ، ونوع آخر هو في إنكار أحكام الشريعة التي ينقلها إلينا العلماء العظام عن أبواب مدينة علمه عنه صلى الله عليه وآله وسلم, كمن يستحل الخمر مكذّباً بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من تحريمها وهذا لا يقل شأناً عن الكفر بالرسالة, وهو من موجبات إقامة الحدّ، لأنّه بمستوى الإرتداد عن الدين, يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "من شرب الخمر مستحلّاً لشربها أصلاً وهو مسلمٌ استتيب، فإن تاب أقيم عليه الحدّ، وإن لم يتب ورجع إنكاره إلى تكذيب النبيّ صلّى الله عليه وآله قتل، من غير فرق بين كونه ملّيّاً أو فطريّاً"6.


2- أذيّة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته عليهم السلام

فأذيّة آل البيت عليهم السلام هي أذيّة للرسول بالدرجة الأولى، وهذا ما بيّنته العديد من الروايات الشريفة؛ منها ما روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من آذى عليّاً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن ينتقم منه"7.

19

كما جرى على أهل بيته عليهم السلام من بعده من أذى، إذ يصفهم إمام الزمان - روحي لتراب مقدمه الفداء - في دعاء الندبة قائلاً: "ولمّا قضى نحبه8، وقتله أشقى الآخرين يتبع أشقى الأوّلين، لم يُمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الهادين بعد الهادين، والأمّة مصرَّة على مقته، مجتمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده، إلّاالقليل ممّن وفى لرعاية الحقّ فيهم. فقتل من قتل، وسبي من سبي، وأقصي من أقصي، وجرى القضاء لهم بما يرجى له حسن المثوبة، إذ كانت الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين"9.

3- أذيّته من الذنوب

يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾10.

فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يرى أعمالنا حين تعرض عليه، وحينما يرى ذنوبنا يتأذّى حتماً منّا، كيف لا وهو من قال:"وأنا وعليّ أبوا هذه الأمّة، من عرفنا فقد عرف الله، ومن أنكرنا فقد أنكر الله عزّ وجلّ"11.

فإذا كان الواحد منّا يتأذّى من ولده لو قام بعمل غير مناسب عند ضيف نزل عليه، فكيف بالرسول صلّى الله عليه وآله، وهو المبعوث رحمة للعالمين. أن ينشر صحائف أعمالنا. ويرى ذنوبنا بمحضر الله تعالى، ألا يسبّب له هذا حزناً وأذى؟

يقول أحد العلماء أنَّ سكّين الشمر حينما كان يمتدّ لأقدس نحر،

20

هو أسهل على أبي عبد الله الحسين عليه السلام من رؤيته لذنب من ذنوب شيعته, نعم فهو استشهد لأجل أن ينشر الفضيلة، وبذل دمه الأذكى لينتشر الخير، ويقام دين جدّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الدين الذي يهذّب النفوس من جموح الحيوانيّة، ويسلكها مسلك الاعتدال في إشباعها لهواها ورغباتها.

فلنحترس كلّ الوقت كيلا نتسبّب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته عليهم السلام الذين يرون أعمالنا حين تعرض عليهم في الأذيّة لهم، فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: "ما لكم تسوؤن رسول الله؟ فقال له رجل: جعلت فداك فكيف نسوؤه؟ فقال: أما تعلمون أنّ أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك ؟ فلا تسوؤا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسرّوه"12.

وقد جاء في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام حين سئل عن قول الله تبارك وتعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا﴾, قال:"نحن أمّة الوسط ونحن شهداء الله"13.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الأعمال تعرض عليّ في كلّ خميس، فإذا كان الهلال أكملت، فإذا كان النصف من شعبان عرضت على رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم وعلى عليّ عليه السلام، ثمّ ينسخ في الذكر الحكيم"14.

وعن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: "الأعمال تعرض كلّ خميس على رسول الله، وعلى أمير المؤمنين صلوات الله عليهما"15.

21

هوامش

1- الأحزاب: 57.
2- نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام - ج 2 ص 160 – خطبة المتّقين.
3- تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج 16 ص 338.
4- المعارج: 1.
5- مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 2 ص 240.
6- تحرير الوسيلة - السيد الخميني - ج 2 ص 481.
7- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 5 ص 69.
8- أي أمير المؤمنين عليه السلام.
9- إقبال الأعمال - السيد ابن طاووس - ج 1 ص 508.
10- البقرة: 143.
11- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 16 ص 364.
12- م. س البحار، ج22 ص 349.
13- بصائر الدرجات- محمد بن الحسن الصفار ص 83.
14- بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 32 ص 343.
15-م. ن. - ص 344.


يتبع
26-11-2017 10:02 PM
عباس محمد س الفصل الأول: ما هو الأذى؟
الأذى


تمهيد:

يقول الله تعالى في محكم آياته وفصل خطابه وعظيم قرآنه: ﴿ِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾1.

تتحدّث الآية الكريمة في مطلعها عن الاستقامة, واصفةً ثلّةً من المؤمنين بأنّهم آمنوا بالله, ثمّ استقاموا، وفسّر العلماء الإستقامة هاهنا بالعمل على مقتضى الإيمان بالله تعالى ونبيّه صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام, أي على هداهم وما أمروا به عن الله تعالى.

ثمّ ذكرت الآية الشريفة ما أعدّ لهم الله تعالى على الإيمان والاستقامة، وذكرت فضل الدعوة لله تعالى والعمل الصالح، ومن ثمّ ذكرت أمراً في غاية الأهمّيّة، وهو الشاهد الأهمّ الذي سنسلّط الضوء عليه، ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

9

آثار الإحسان والإساءة

في نظرة دقيقة لهذه الكلمات النورانيّة، نستشفّ منها إشارات هي لبُّ الأخلاق، وأساس الفضيلة، منها:

1 – إنّ الحسنة والسيّئة وإن كانتا من ناحية إرادة الإنسان أمرين يصدران بالإختيار،إلّا أنّهما من جهة الأثر مختلفتان.

فالحسنة والسيّئة لا يمكن أن يُنظر إليهما في علم الأخلاق على أنّهما مجرّد فعلين صادرين عن إنسان مختار، يمكنه أن يفعل ما يحلو له، بل ينبئان عن مسلك اجتماعيّ يختاره الإنسان، وعن أثر يتركه اختيار أحد هذين المسلكين.

فالحسنة وإن كانت تعود بالنفع الأخرويّ على صاحبها بالدرجة الأولى، إلّا أنّ لها أثراً لا يمكن التغافل عنه في الدنيا، وهو التأثير في المحسن إليه، حتّى ولو لم يكن من البشر، بل من ذوي الأرواح، فحتّى الإحسان للشجرة من خلال تشذيب أطرافها وتجميلها، يترك فيها أثراً ظاهراً، وكمالاً في حسن نموّها وحسن مظهرها.

وكذلك الإساءة لا يمكن التغافل عن أثرها على المُساء إليه، ولو كان من غير البشر أو ذوي الأرواح، فحرق الشجرة - وهو عدوانيٌّ - يدمّر مظهرها، ويمنعها من النموّ، ويحرمها من الثمر.

2 – إنّ قدرة المرء واختياره وإرادته المتعلّقة بفعل الخير والشرّ واحدة، وحينما يتحرّك باتجاه العدوان فإنّه لا يقصد الأذيّة غالباً, بل يقع في الخطأ، أو تحت تأثير ضغط الرغبات النفسيّة الجامحة, وإلّا فإنّ لديه نزعة لحبّ الخير والإحسان.

أمّا المتحرّر من قيود الأخلاق، والمفرط في اتّباع الهوى وشهوات النفس، فإنّه - ومن خلال الأنانيّة التي تتحكّم بمجمل تصرّفاته -

10

يتسبّب بالأذى المقصود لكلّ ما يحيط به، وهذا ما لا يحتاج إلى استدلال، بل ما يرى في واقع الحياة.

ولكنّ هذين التصرّفين في نهاية المطاف، خاضعان لإرادة الإنسان، ففي الحديث القدسيّ: "ياابن آدم، بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء، وبقوّتي أدّيت إليّ فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً، بصيراً، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك"2.

أي بمحض اختيارك وسوئه أيضاً، فلم يجبرك أحد على اقتراف المحاذير، بل إنّ فطرتك السليمة محبّة لعمل الخير، ولكّنك بسبب أنانيّتك وحبّك لإشباع رغباتك تسبّبت بالأذى، وتركت الهداية، وغرقت في عالم المعاصي.

وقوله تعالى في آخر الآية: }ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{، لأدلّ دليل على أنّ الإنسان يعلم في النهاية ما هو الحسن، من خلال عقله وفطرته السليمة.


كفّ الأذى هو الأخلاق

إذا كانت الإساءة والإحسان بمقدور المرء، وهما خاضعان تحت سلطان إرادته، فإنّ على كلّ ذي لبّ وعقل أن يختار الحسن, وأن يترك ما تدعوه إليه غريزته وهواه، وهذا ما أشار إليه الكثير من علماء الأخلاق، يقول المولى المازندراني رحمه الله: "الأذى لفظ شامل لجميع أنواع الخصال المذمومة، مثل الضرب والشتم والهجو والغيبة والتهمة وغيرها، وإنّما كان كفّ الأذى من كمال العقل، لأنّ العاقل

11

يعلم أنّ الغرض الأصليّ، من الخُلق هو الوصول إلى جناب عزّته، والطيران في حظاير قدسه بأجنحة الكمال مع الملائكة المقرّبين, وأنّ ذلك كما يتوقّف على عبادة الرحمن، كذلك يتوقّف على كفِّ الأذى عن الإخوان، فكما أنّ صرف الهمّة في العبادة من كمال العقل، كذلك صرف النفس عن الأذى"3.


الأذى غريزة حيوانيّة

لأنّ الحيوان لا تتحكّم به سوى الغرائز، فغريزة حبّ البقاء لديه تدفعه للحفاظ على حياته، وتناول الطعام الذي يقويّه، وكذلك تدفع للتناسل،إلّا أنّ الحيوان لا تقف أمام رغبته أيّة عثرة، لأنّه حين ذاك سيقوم بتذليلها، وتحطيم كلّ من يعترض طريقه في سبيل تحقيقها، ولذا نرى البهائم تتعارك فيما بينها لأجل الحصول على الأنثى، والطعام والوفير، والسيطرة على القطيع إذا كانت من النوع الاجتماعي.

ولأنّها لا تمتلك العقل، فإنّها لا تُلام على تصرّفها، ويعتبر عدوانها على بني جنسها أمراً عاديّاً غير مستنكَر، بخلاف الإنسان، فإنّه ذو عقل يستطيع من خلاله كبح حالة العدوانيّة التي تعتريه، حينما تقف السدود أمام رغباته وتحقيقها، وهذا ما يميّزه عن البهائم، ولهذا يُلام الإنسان وتقام النظم لمحاسبته في حالة عدوانه، ولهذا عدّ الإنسان "المؤذي بمنزلة البهائم والسباع، عارياً عن حلية العقل، ويعلم أيضاً أنّ ترك الأذى يوجب التعاون والتعاطف والتراحم، والتواصل والتظاهر والتآخي، والتآلف والتودّد والإجتماع"4.

12

تنوّع الأذى

يتخيّل البعض أنّ الأذى هو أن تقدم على أذيّة أخ لك في الإنسانيّة، ويحصر المفهوم الواسع له بهذا المثال الصغير.إلّا أنّ الأذى هو أعمّ من هذا المعنى، وهو واسع بسعة الكون.

فبدءاً من الأذى للأنبياء والرسل، ومروراً بأذى الناس، والأذى الاجتماعيّ العامّ، وأذى البيئة والطبيعة، وصولاً إلى أذى النفس.

هذه الأنواع المتعدّدة من الأذى، تتفرّع منها عناوين كثيرة، وسنتعرّض في الأبحاث اللاحقة بشكل تفصيليّ لهذه التصرّفات، ونسلّط الضوء عليها من خلال استفادتنا من كتاب الله تعالى، والروايات الواردة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وآل البيت عليهم السلام.


ارحموا ثلاثاً

إنّ الإسلام هو دين الرحمة، يقول سبحانه وتعالى مخاطباً رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾5. فمن الطبيعيّ أن نلاحظ في كلّ التشريعات التي جاء بها هذا الحرص والتأكيد على كفّ الأذى، كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مثالاً عالياً للرحمة والتسامح والعفو، فحينما فتح مكّة عفا عن أهلها الذين طالما آذوه وطردوه منها، وشنّوا الحروب والمؤامرات عليه، وأمرنا دوماً بالعفو، ومن تعليماته المشهورة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ارحموا ثلاثاً، وحقّ لهم أن يرحموا: عزيزاً ذلّ من بعد عزّه، وغنيّاً افتقر من بعد غناه، وعالماً ضاع ما بين الجهّال"6.

وكذلك كان أهل بيته عليهم السلام ينابيعَ يتفجّر منها الحلم والرحمة،

13

وقد وصف الله تعالى رحمتهم للخلق وإيثارهم للناس على أنفسهم في سورة الدهر، وهم يجسّدون أعظم أنواع الرحمة الإنسانيّة حينما باتوا جياعاً وقد أعطوا كفاف يوم صومهم وإفطارهم لمسكين في اليوم الأوّل، وليتيم في اليوم الثاني، ولأسير في ثالث الأيّام، فقال فيهم جلّ وعلا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا﴾7.

وهذا إمامنا الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، يبكي على قاتليه يوم عاشوراء، شفقة منه عليهم، ورحمة بهم لما سينالهم من الغضب الإلهيّ، فأيّ نماذج إنسانيّة أرقى من هذه النماذج التي لم تكفّ أذاها فقط، بل ارتقت لتملأ الدنيا بالخير، وتعمرها بالرحمة، وتهديها إلى سبل الكمال.

14

هوامش
1- فصّلت:30–34.
2- الكليني - الكافي - دار الكتب الإسلامية – طهران - الطبعة الخامسة - ج 1 ص 160.
3- شرح أصول الكافي - مولي محمّد صالح المازندراني - ج 1 ص 195.
4- م.ن.
5- الأنبياء: 107.
6- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 74 ص 140.
7- الإنسان: 7–9.



يتبع

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح

جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 08:31 AM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin