الموضوع: الحلال والحرام
عرض مشاركة مفردة
قديم 25-03-2017, 05:14 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

وأمّا محارم الله وحرماته، فإنّما عُظّمت واكتسبت تسمية حرمات لأنّها تُنظِّم للحياة أسلوبها الراقي فيما هو مسموح وما هو ممنوع، وما هو مسؤولية.
والحرام بلغة إشارات المرور هو (الخط الأحمر) أو (الضوء الأحمر) الذي يُمثِّل (الوقوف) و(الإحجام) و(الإمتناع) و(الرفض) لأجل السلامة الخاصة، ولأجل السلامة العامة أيضاً.
ولذلك ارتبط مفهوم الحرام بمفاهيم (الوقاية) و(التحصين) و(السلامة) و(المناعة) و(الرفض) و(المفسدة).

- مساحتا الحلال والحرام:
بأيّ مقياس تشاء، فإنّ مساحة الحلال في حياتك أوسع بكثير من مساحة الحرام لدرجة إنعدام المقارنة، فما هو مباح ومسموح وجائز لك يكاد يستغرق أكثر من ثلاثة أرباع الحياة.
أمّا المساحة الضيِّقة المتبقية، ونعني مساحة المحرّمات، فهي موجودة أو موضوعة لخدمة الثلاثة أرباع المذكورة، فلكي تكون الحرِّية هانئة غير منغّصة، كان لابدّ من إجراءات أمنيّة مشدّدة تقي مكاسب الحلال من سطوة الحرام وشهوته وعدوانه وظلمه وظلامه.
إنّ إشارة الضوء الأحمر حينما تشتعل فيقف صف أو طابور من السيارات إحتراماً لها، تحقق للمسارات المسموح لها حرِّية الحركة، نافيةً أي قلق من إحتمال إلإعاقة أو العرقلة أو الإرباك، فالحرِّية من غير وقاية تصبح مهددة وفي خطر.
وعلى هذا فليس غريباً أن تكون المحرّمات محددة ومحدودة، فيما جناح الحلال مبسوط يرفرف على حقول الحياة.
إنّنا، وليس آدم (ع) وحده، في جنّة أشجارها كلّها مباحة للأكل والتمتُّع بثمارها اللذيذة، ما عدا أشجار معدودات أو شجيرات منعنا من الإقتراب منها ربّما، كما نلاحظ في حياتنا اليومية لافتات من قبيل: (لا تلمس)، (لا تدخل)، (لا تُدخِّن)، (لا تصوِّر)، (ممنوع الوقوف)، (السباحة هنا ممنوعة)، (الصيد ممنوع)، (ممنوع التجوّل).. إلخ.
إنّ زاوية ضيِّقة في الجنة الفسيحة المترامية الأطراف لن تضرّني بشيء، إنّها لا تُهدِّد ولا تُقيِّد حرِّيتي الواسعة بسعة الجنّة.
إنّ مساحة الإباحة في حياتنا يمكن قياسها على ضوء القاعدة الفقهيّة التي تقول: "كلّ شيء لك حلال حتى تعلم حرمته".
فأنت تنطلق في سيارتك في الرحاب المفتوحة الشاسعة، والضوء الأحمر ليس كبحاً أو خنقاً لحرِّية سيرك، إنّه تنظيم وتقنين لها مخافة أن تتعرّض حرِّيتك للخطر، أو أن تفقدها إلى الأبد.
وإذا عرفت أنّ كلّ ما حرِّم عليك، قد أعدّ الله لك بديله، اكتشفت أنّ مساحة الحلال والمسموح والجائز في حياتك أوسع من أن تتصوّرها.
إنّ كل ما هو مفيد وطيِّب وطاهر فهو حلال، وكل هو مؤذٍ وضار وخبيث فهو حرام، قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف/ 32-33).
- مناقشة (الإنسان حريصٌ على ما مُنِع):

الفضوليّة طبع من طباع الإنسان، فهو فعلاً حريص على ما مُنِع، فكلّما منعته من شيء، ظنّ أنّك تحجب عنه (خيراً) أو (فضلاً) أو (فرصة للرقي)، والقصة التي تروى للأطفال قبل النوم من أنّ بطل القصة قد مُنح حرِّية التجوّل في القصر المنيف ذي الأربعين غرفة، ومنع من الدخول إلى غرفة واحدة فقط، هي الغرفة الأربعون، هي قصّة الإنسان في تعاطيه مع الحلال والحرام.
الصيّادون من بني إسرائيل يصطادون في الأسبوع ستّة أيّام، واليوم السابع يوم (الصيد ممنوع)، فلم تكفهم الستّة حتى راحوا يسطون على اليوم السابع (يوم الحرمة) ليصطادوا فيه.
صاحب النعاج الـ(99) لم يُفكِّر أن يعطي لأخيه تسع نعاج حتى يضيفها إلى نعجته فتصبح نعاجهُ عشراً، بل ولم يفكِّر في أن يعطيه نعجة أخرى لتؤنس نعجته الوحيدة، بل راح يصرّ ويلحَ ويبرمه بكثرة إلحاحه في أن يهبه النعجة الوحيدة الممنوعة عليه باعتبارها في مُلكِ غيره، ليضيفها إلى الـ(99) نعجة حتى تصبح مئة كاملة!
إنّ الأسباب التي تجعل الإنسان حريصاً على التشرنق في شراك الضيق في مقابل الرحب والسعة، ثلاثة:
1- (طمعهُ): فهو يطلب المزيد ولا يكتفي بالموجود، فالنعجة الواحدة تسدّ في ظنّه نقصاً أو خللاً في اكتمال العدد مئة، واليوم السابع يمكن أن يضيف إلى رصيد الأسماك وفرة لا تتحقّق في الأيّام الستّة، ولو أعطى صاحب النعجة نعجته لأخيه، لراح يجهد نفسه في جعل المئة مئتين، وهكذا، ولو أعطي الصيادون اليوم السابع لتساءلوا: إنّ الأسبوع قليل، لو كان أسبوعنا ثمانية أيّام أو عشرة؟!
2- (فضوله): فالإنسان مفطور على حبّ الإطلاع والمعرفة والتنقيب والإستكشاف والنبش والبحث ورفع النقاب عن المستور، وكسر قفل الغرفة الأربعين ليرى ما بداخلها، أو تذوّق الشجرة الوحيدة الممنوعة بين الألوف المؤلفة من الأشجار المباحة.
3- (سوءُ ظنّه): فهو سيِّئ الظن عادة في الممنوعات، يرى أنّ الممنوع إنّما حُجر أو حُظر أو منع عليه لسرّ، هو التضييق عليه في حرِّيته، أو في ملكيته، أو سعادته، أو كماله، وأنّ المانع يريد أن يحتفظ بالممنوع لنفسه فلا يرخّص لغيره الإستمتاع به.
وهذا كلّه سوء تقدير وقصر نظر، فليس كلّ الممنوعات لذائذ ومتعاً وطيِّبات، بل أكثرها مؤذٍ ومضرٌّ ومُسيء، وليس اشتهاء من المانع أو مزاجاً يريد أن يمليه على الممنوعين، فما منع إلا لسبب راجع له، أو عائد للممنوع، وفي كل الأحوال هناك تقدير لمصلحة يراها (المانع) ولا يتصوّرها (الممنوع).
إنّك عندما تمنع مثلاً من الإقتراب من غرفة التموين الكهربائي، بأي إشارة من إشارات الخطر، فلمعرفة المانع وخوفه عليك من خطر مميت.
وحينما تصدر دائرة أو مديرية الحفاظ على الثروة السمكية حظراً على الصيد في أوقات معيّنة، فلأنّها تعرف وتُقدِّر أكثر منك أن تلك هي فترة خصوبة السمك وتكاثره، فإذا حصل الصيد منعناه من أن يتكاثر، وبالتالي هددنا الثروة السمكية بالتناقص أو النضوب.
وإذا منعت من الدخول إلى غرفة فيها خصوصية معيّنة، فاحتراماً لتلك الخصوصية، كما أنّك لا تريد أن يقتحم عليك غرفتك أحد من غير استئذان.
وإذا منعتك إدارة مستشفى من إصطحاب الطعام معك لمريض قريب وعزيز عليك، فإنّها لا تريد أن تمنعك عن ممارسة طقوس الحب وإبداء مشاعر التعاطف مع مريضك، ولكن برنامجها يتطلّب تخصيص غذاء معيّن للمريض لا يصحّ خرقه أو التطاول عليه.
ولذلك، فإنّ أي تجاوز للحالات المارّة الذكر له ضريبته التي قد تكون فادحة أحياناً، وقديماً قيل: "مَن تدخّل فيما لا يعنيه وجد ما لا يرضيه".
إنّ مثال الشجرة المحرَّمة أو الممنوعة في جنّة آدم وحواء يعطينا الدرس في أن اختراق الممنوعات ربّما يتسبب في خسارة كلِّية لا تعوّض، فقد أخسر الجنّة بكل أشجارها لأنّني اعتديت على شجرة واحدة حذّرت من الإقتراب منها والأكل منها.
إنّ ثقافة احترام الممنوع وعدم دسّ الأنف فيه، والتسلُّل إليه أو التجسّس عليه، أو خرقه وانتهاكه، يمكن أن تُبنى من خلال (حسن الظنّ) بالمانع، الذي لم يكن – حين وضع لافتة المنع – يعرفني، فهو لم يقصدني أنا بالذات، بل كلّ مَن يقترب من الممنوع، أي أنّه ليس لديه عقدة من أحد، بل يُفكِّر بطريقة تحمي الجميع وتُحقِّق المصلحة للجميع، فيمكن القول إنّ منعه كان (للإنسان) النوع لا للإنسان الفرد، وتلك ميزة التشريع الكبرى.

- ماذا أحلّ الله؟
قال تعالى: (يَسْألونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُل أُحِلَّ لكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (المائدة/ 4).

- ما هي الطيِّبات:
هي المباحات المذكورة في الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة.. فالله تعالى قد أحلّ جميع الطيِّبات من المطاعم والمشارب، ولم يُحرِّم على البشر إلا الخبائث، كالميتة والدم ولحم الخنزير، أو ما تنفر منه العقول السليمة والفِطر المستقيمة كالقمار.
فالطيِّبات – في لغة الدين والشرع والقرآن – هي كلّ ما أحلّه الله أو ما عدا المنصوص على حرمته (جاء نصّ صريح بتحريمه)، أي أنّه الطيِّب ما شخّصته حكمةُ الله، لا ما استطابه الناس، أو ما استذوقه الإنسان بمزاجه.
الطيِّب طيِّبُ في ذاته، أي فيه منفعة وهو خالٍ من الضرر، ثمّ يأتي التأكيد من خالق الطيِّب ومطيِّب الطيِّب ليقول لي مؤشراً عليه دون غيره: هذا هو الطيِّب، والتركيز على كلمة (طيِّب) التي تكرر ذكرها في القرآن تتضمّن الدعوة واجتناب ما خبث من الأطعمة.. ومن طبع الإنسان وذوقه انّه ينفر ويقرف من الخبيث بصفة عامّة، حيث أنّ هناك إستثناءات:
- فلو قيل لك إنّ هذا الطعام (ملوّث) فقد لا تتناوله حتى ولو كان حلالاً.
- ولو قيل لك إنّ هذا الطعام (مسموم) فلن تأكل منه لقمة حتى ولو كان من الطيِّبات.
- ولو قيل لك إنّ هذا الطعام ولغ فيه كلب، أو عاثت فيه فأرة، أو عبث فيه جرذ، أو تقاتل عليه الذباب، فإنّك لا تجد ميلاً للأكل منه.
هذا والطعام، في الأصل وقبل التلوّث والتسمّم والعبث من الحشرات والفئران، طيِّب، فما بالك بالذي خبث من أصله؟
ربّما يقول أحد الذين لم يراعوا تحريم أكل لحم الخنزير: ما به؟ لماذا تقولون إنّه من الخبائث؟ فلقد ذقته أو أكلت منه، فلم أجد فيه ما تقولون.
إنّنا لسنا بحاجة إلى محاضرة مفصّلة، أو شرح طويل لتبيان ما هي مضارّ لحم الخنزير، يكفي أنّ خالق هذا الحيوان والعارف – أكثر من كل أحد بطبيعة لحمه، قد حرَّمه لأُحرِّمه على نفسي، حتى ولو أجمع الناس على أنّ لحم الخنزير ليس فيه ضرر.
إنّ الشجرة التي حُرِّمت على آدم وحواء (ع) قد لا تكون سامّة أو ضارّة أو خبيثة، ولكن لأنّها ممنوعة كان يجب إجتنابها.
وقد ينبري شخص آخر ليقول: إذا كانت الخبائث كما تقولون، فكيف جوّز دينكم تناول الأطعمة المحرّمه عند الضرورة؟
وهو سؤال وجيه، وجوابه بسيط:
إنّ الدين أو الشريعة لم تجوِّز تناول الأطعمة المحرَّمة ابتداءً، أي حينما تتوفّر الطيِّبات فلا يحق ولا يجوز لي تناول طعامٍ محرم، ولكن عندما تتعرّض حياتي للخطر نتيجة الجوع الشديد، وليس هناك من بديل، فيجوز لي أن أتناول شيئاً من المحرَّم بما يرفع شبح الخطورة عن حياتي المهدَّدة، فالرخصة ليست للتعدُّد أو الإستمتاع بطبق محرَّم، بل للنجاة من الموت، وقد يكون فيما أتناوله من محرّم ضرر صحّي، لكن الضرر الأكبر يُدفع – عقلاً وشرعاً – بالضرر الأصغر.
إنّ كثرة المتعاطين للحم الحرام، ومنه لحم الخنزير، ليس معياراً، ولا يعطيه صفة شرعيّة بأنّه حلال، فقد يُقبل كثير من الناس على عمل محرّم أو شائن أو مستهجن ويتعاطونه بشهيّة، لكنّ ذلك لن يجعل منه (طيِّباً)، أي أنّ (التصويت) على الحرام لن يجعله حلالاً. فلو أجمع كلّ الناس على أنّ الكذب والخيانة خصلتان حميدتان، وأنّ فيهما منافع، فإنّ الكذب يبقى ضرره أكبر من نفعه، وتبقى الخيانة ممقوتة حتى ولو تظاهرت الجماهير بتأييدها، وارتفعت القبعات لتحيتها.
- الطيِّب: ما يمدّني بعافية، أو ما يحافظ على ما لديّ من عافية.
- الطيِّب: ما يجمعُ العقلاء الأصحّاء على أنّه طيِّب.
- الطيِّب: ليس الذي مذاقه طيِّب فقط، بل يجب أن يكون طيِّباً في طبيعته ومضمونه.
- الطيِّب: ما قال الله لي إنّه طيِّب، لا ما يتحدّث به الشاذّون.
إنّ تجربة الناس مع الطيِّب طويلة وعريقة وضاربة بجذورها في عمق التأريخ، فليس (الطيِّب) اكتشافاً حديثاً.
ربّما نجد في التأريخ مَن يأكل لحم كلب ويستطيبه، لكن نسبة الذين يأكلون لحم الكلاب إلى نسبة مَن يأكلون لحم الضأن لا تقاس، ولن يأتي اليوم الذي تتبدّل فيه أذواق الناس لدرجة استبدال لحوم الأبقار بلحوم الأفاعي، ولن تدخل إلى المطابخ لحوم الفئران والجرذان كبدائل للحوم الطير والدجاج.

- ماذا حرَّم الله؟
قال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) (البقرة/ 173).
هذه المحرّمات الأربعة هي ما حرَّمه الله في كتابه، وهناك بالطبع تحريمات من خلال السنّة لسنا في صدد الحديث أو التوسُّع فيها.
فقبل أن ندخل في مناقشة كل محرّم، نعود ونُذكِّر ونُكرِّر أنّ المهم في موضوع التجربة مَن هو الذي حرَّم؟ وليس ما هي الحرمة؟ ومَن الذي أوجب؟ وليس ما هو الواجب؟
فيكفي – كما قلنا – أن نعرف أنّ الله هو الذي حرَّم قتل النفس البريئة، وحرَّم شرب الخمر أو المُسكِر، وحرَّم الرِّبا، وحرَّم القمار، وحرَّم لحم الخنزير ليكون ذلك في قائمة الممنوعات حتى ولو لم نتبيّن أسرار التحريم.
حاول أحد المؤمنين إقناع أحد الغربيين الذي دخل الإسلام حديثاً بأنّ لحم الخنزير يحتوي على مضارّ كثيرة، وراح يشرح له ما يقوله الطب أو أصحاب الخبرة في هذا المجال شرحاً تفصيلياً.
وفي الختام، قال المسلم الجديد: لا أحتاج إلى كلّ ذلك، يكفيني أنّ الله حرَّمه!!
عبارة (يكفيني أنّ الله حرَّمه) يجب أن تكون لافتة نرفعها عند كل ما نصَّ عليه الشرع بأنّه حرام، وإذا قُدِّر لنا أن نطلع على أسرار أو حكمة وعلّة التحريم فمن باب: (أوَلم تؤمن؟!) (قال: بلى، ولكن ليطمئنّ قلبي).
(بلى) هي المفصل.. هي نقطة الحسم، بلى أنا (مسلم) وديني يتطلّب منِّي أن (أعمل) وأن (أترك) كما في كل مؤسسة من مؤسسات العالم الدينيّة وغير الدينيّة: هناك قائمة (ممنوعات) ولا نقول قائمة مسموحات، فما عدا الممنوع هو تلقائياً مسموح ومباح ولا يحتاج إلى إذن.
إنّ تسمية المحرَّمات وتحديدها بأربعة، وإطلاق الطيِّبات من دون تحديد يؤكِّد هذا المعنى، فالطيِّبات فضاء مفتوح، والمحرَّمات محصورة بـ(إنّما). ولا يخفى أن حديث الآية هو عن الأطعمة المحرَّمة في قبال الأطعمة الطيِّبة، وليس الحصر لكلّ المحرَّمات.
سنحاول أن نتعرَّف على الحكمة من تحريم اللحوم المحرَّمة، أي ما هي الأسباب التي دفعت المشرِّع إلى تحريمها، إلا أنّ كشف الغطاء عن أسرار التحريم لن يزيدنا يقيناً، طالما أنّ المُحرِّم هو الله تعالى، الصانع والمُصمِّم الذي يمتاز بـ(العقل) فلا يعمل ما ينافيه، وبـ(الحكمة) فلا يعمل عبثاً، وبـ(العدل) فهو يعمل بمقتضى المصلحة.
ورد في الروايات أنّ (الميتة) لا يتناول منها أحد إلا ضعف بدنه، وذهبت قوته، وانقطع نسله، ولا يموت آكلها إلا فجأة، ذلك أنّ جهاز الهضم لا يستطيع أن يصنع من الميتة دماً سالماً حيّاً، إضافة إلى أنّ الميتة مرتع لأنواع الميكروبات.
وإمّا شرب الدم، فله مفاسد أخلاقيّة وجسميّة لأنّه وسط لتكاثر الميكروبات، فالدم حين يتوقّف عن الحركة يكون أكثر أجزاء جسم الإنسان أو الحيوان تلوّثاً.
وقد ثبت في علم الأغذية أنّ لها تأثيراً على الأخلاق عن طريق تأثُّر الغدد والهرمونات، كما أثبتت التجربة الطويلة أنّ شرب الدم يُقسِّي قلب الإنسان ويورثه قلّة الرأفة والرحمة حتى لا يُؤمَنَ أن يقتل أقرب المقرّبين إليه.
وبالنسبة للحم الخنزير، فحتى عند الأوروبيين المولعين بأكله، هو رمز للتحلل الجنسي، علاوة على أنّ الخنزير حيوان قذر للغاية، وقد صرّحت الرسالات السابقة على الإسلام كاليهودية والنصرانية بتحريمه، والخنزير يأكل عذرته (فضلات أمعائه) ويحتوي لحمه على نوع من الديدان سريعة التكاثر تُسمّى (التريشين) وهي تُسبِّب أمراضاً مختلفة ومنها تجمّع الشحوم داخل البدن وترسّبها هناك.
وبحسب العارفين فإنّ الكيلو الواحد من لحم الخنزير يحتوي على (400) مليون دودة من هذه الديدان، وقد أقدمت بعض البدن الأوروبية على منع تناوله.
أمّا اللحم غير المذكّى أو الذي لم يذكر إسم الله عليه، فقد لا يكون له علاقة بالصحّة، بل قد يكون لذلك بُعد تربوي، أي أنّه يبعد الإنسان عن الله الذي أراد للإنسان أن يذكره عند تعاطي نعمه.
وسواء كانت هذه هي العِلل والأسباب أو غير ممّا لا ندرك سرّه، فإنّ ما ينبغي الإعتقاد به أن ثمة (مفسدة) في الشيء المحرَّم، وربّما مادّية أو معنوية، وفي كلا الحالين فإنّ الحكمة والعقل يقتضيان عدم الإقتراب من المفاسد.

- لا حرمان في الإسلام:
هل الحرام تضييق للحرِّية؟
إنّه تضييق الخناق على الفساد والضرر والإستهتار بالقانون، وهو حماية من المضاعفات والآثار الجانبية.. إنّه وقاية، والوقاية خيرٌ من العلاج.
إنّنا لو دققنا النظر في قائمة المحرَّمات لرأينا أن في قبال كلّ محرم ليس شيئاً محللاً واحداً، بل صفاً من المحللات أو الأشياء الحلال تعوّض عنه وتسدّ الحاجة إليه، فلا يخلق عدم تناول المحرَّم أزمة.
فإذا مُنعت من تناول (لحم الخنزير) فإنّ هناك عدداً من اللحوم الصحية والشهية التي تدخل في تركيب عشرات الأنواع من الأطعمة أو المأكولات، وإذا منعت من اللواط والسحاق والزِّنا فلأنّ هناك الزواج، وإذا مُنعت من (القمار) فلأنّ هناك مكاسب مشروعة كثيرة جدّاً، وإذا مُنعت من (الرِّبا) فلأنّ هناك البيع والتجارة، وإذا منعتُ من المُسكر – خمراً كان أو غير خمر – فلأنّ هناك تشكيلة رائعة من المشروبات والعصائر السائغة الهنيئة اللذيذة.. وهكذا.
فليس في الإسلام حرمان، بل فيه تنظيم وتقنين، وما من حاجة مُنعت على الإنسان إلا ولها قناة تصريف نظيفة ولطيفة وشريفة. فلماذا أترك (الجنّة) بكل سعتها وكلّ أشجارها الطيِّبة وثمارها الغنيّة، ولا أُفكِّر إلا في (الشجرة الممنوعة)؟! لماذا أترك حرِّيتي في الغرف الـ(39) وأحصر نفسي في الغرفة الأربعين التي كتب عليها (ممنوع الدخول)؟!
إذاً، أنا الذي أبحث عن الضيق في مقابل السعة، وعن الحرمان في قبال الحرِّية، وعن (الخبيث) بإزاء (الطيِّب)، وعن (الممنوع) بإزاء المسموحات الكثيرة جدّاً.

- تعويضات خسائر الحرام:

ولو افترضنا أن امتناعي عن الحرام سيُكبِّدني بعض الخسائر، أو يحرمني من حرِّية التمتُّع بالممنوع، فإنّ المُشرِّع الإسلامي قد تعهّد لي بتعويضات مجزية لا يقاس ثمن وقيمة المحرّم بقيمتها وثمنها، تأمّل معنا في قائمة التعويضات التالية، وهي للمثال لا للحصر:

1- (تعويض الخمر):
وعنه (ص) كما في الرواية: "مَن ترك الخمر لغير الله سقاه من الرحيق المختوم. فقيل له: لغير الله؟! قال: نعم والله، صيانةً لنفسه". (ميزان الحكمة، مادة خمر)

2- (تعويض النظرة المحرَّمة):
رُوِي عن رسول الله (ص) قوله: "ما من مسلم ينظر إلى إمرأة أوّل رمقة ثمّ يغضّ بصره إلا أحدث الله تعالى له عبادة (إيماناً) يجد حلاوته (حلاوتها) في قلبه" (المتقي الهندي/ كنز العمال/ مجلد 5/ رقم الحديث 13076).
وأُثِر عن الإمام الصادق (ع) قوله: "مَن نظر إلى إمرأة فرفع بصره إلى السماء أو غمّض بصره، لم يرتد إليه بصره حتى يزوِّجه الله من الحور العين" (مكارم الأخلاق: 1/505)

3- (تعويض كظم الغيظ):
وفي الخبر، عنه (ع): "مَن كظم غيضاً ملأ الله جوفه إيماناً". (كنز العمّال: 5819)

4- (تعويض الكذب والمراء):
وجاء في الأخبار عنه (ص): "أنا زعيم ببيت في ربض (أطراف) الجنّة، وبيت في وسط الجنّة، وبيت في أعلى الجنّة، لمن ترك المِراء (الجدال) وإن كان محقّاً، ولمن ترك الكذب وإن كان هازلاً، ولمن حسّن خلقه" (الخصال/ 144).

5- (التعويض عن الحرام بصفة عامّة):
ورُوِي عنه (ص): "مَن أعرض عن محرّم أبدله الله به عبادة تسرّه" الأمالي/ الشيخ المفيد/ ج 1/ ص185).
من ذلك كلّه نفهم، أنّ التعويضات في قبال التحريمات، وهي مقدّمة للزهد بالحرام الذي حتى ولو لم تكن هناك مكافآت أو تعويضات عن الخسائر المحتملة التي يُسبِّبها اجتنابه، فهو – بما ينطوي عليه من ضرر، وما ينتج عنه من جرأة على محرّمهِ وهو الله تعالى – جديرٌ بأن يُترك.
إنّ (مرتكب الحرام) في مفاهيم الشريعة (عاصٍ)، أمّا (مستحلّ الحرام) والذي يجعله حلالاً فهو (كافر)، وبين المعصية في ارتكاب المحرّمات، وبين الكفر بإستحلالها، هناك مساحة من حرِّيّة.
فعلماء النفس يتحدّثون عن أنّ أفعال الإنسان تتراوح بين (المُنبِّه) وبين (الإستجابة)، ولا يشذّ أو يندّ أو يخرج فعل من أفعاله عن ذلك، ويرون أنّ حرِّية الإنسان تكمن في المسافة الفاصلة بين (المُنبِّه) وبين (الإستجابة)، فإذا عرضَ لك محرّم ورفضتهُ اتسعت تلك المسافة، وإذا ترددت ضاقت، وإذا أقبلت وتعاطيت ضاقت حتى تصل في بعض الأحيان إلى درجة الصفر، ويمكن لنا أن نُوضِّح ذلك من خلال الرسم البياني التالي:
(المنبِّه) ← الحرِّية ← (الإستجابة)
إنّ أقوياء الإرادة هم الذين نجحوا في توسعة مساحة الحرِّية بـ(الرفض) و(الممانعة) و(الصبر) و(الصوم)، فلم يأسرهم المحرَّم على الرغم من الكثير من الأضواء الباهرة المسلّطة عليه، والدعايات المروّجة له، والإعلانات المغرية التي تُحبِّبه وتُحبِّذه وتُزيِّنه وتُحسِّنه، وطابور الآخذين به المتعاطين له.
إنّ مَن ترك (الحرام) أصابه بـ(الحلال).. تلك قاعدة مجرّبة، ولك أن تُجرِّبها أنت أيضاً، وإذا سألتنا: أين هذا في كتاب الله؟ أجبناك: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (الطلاق/ 2-3).

- العناوين المزيّفة:
لن يكون الحرام في يوم ما حلالاً مهما خلع عليه البعض أسماء مغلّفة ومزيّفة وعناوين وألقاباً برّاقة، وستبقى (السرقة) سرقة، و(القتل) قتلاً، و(الزِّنا) زنا، (الكذب) كذباً، و(الخيانة) خيانة، حتى ولو ألبسناهنّ أثواب العرائس، ووضعنا على وجوههنّ آخر مبتكرات المساحيق العصرية، فإن ذلك لن يُغيِّر من الجوهر شيئاً، أي لن يُغيِّر من حرمة المحرَّم شيئاً، فإنّك لو سكبت كلّ قناني العطر على شخص قاذورة لم يلامس جسده الماء لفترة طويلة، حتى أصبح مرتعاً للنتن والعفن، فقد تفسد العطر بخلطه بالجيفة ولا تُحسِّن من رائحة العفونة أو تُلمِّع من صورتها.
فلو افترضنا أنّك كتبت على علبة السُكّر (ملح) فإنّك لن تخدع الدود أنّ الذي في العلبة ملحٌ وليس سُكّراً، لأنّ الدود الذي تذوّق طعم السكر لن تنطلي عليه لعبتك أو خديعتك، حتى ولو غلّفت علبة السكر بكلمة ملح مئة مرّة.
والعكس صحيح أيضاً، فلو كتبت على علبة الملح (سُكّر) فإنّ الدود سوف لن يُخطئ طريقه إليها لأنّه لا علاقة له بالملح، وليس لديه وقت إضافي يُضيِّعه في التأكُّد من أنّ الموجود في العلبة سُكّرٌ أو ملحٌ، إنّه يهتدي إلى السُكّر ويستدلّ عليه كما تعرف طريقك إلى المدرسة أو البيت أو محلّ العمل.
هذه هي فطنة الدود وذكاؤه وخبرته، فلا يُخدع مهما حاولت خداعه، ولكن بعض الناس لا يمتلكون للأسف حسّ الدود وحساسيّته، فقد تنطلي عليهم المسمّيات والأسماء بالتلاعب بالألفاظ، فقد يستسيغ المسكر تحت عنوان (المشروبات الروحيّة)، وقد يستسهل الزِّنا تحت عنوان (الصداقة)، وربّما يخدع نفسه بأنّ الفرق بين (الحليلة) و(الخليلة) نقطة، وهي فعلاً نقطة لكنها ليست النقطة التي على الحاء، وإنّما نقطة الخلاف بين المتشرِّع وغير المتشرِّع، ونقطة الفصل بين مَن هو متديّن يراعي شروط وضوابط وتعليمات دينه، وبين مَن هو لا ديني أو يحمل الدين إسماً ويخالفه مضموناً.
النبي (ص) لفتَ النظر إلى هذه الظاهرة الخطرة في تحريف التشريع بالتلاعب بالعناوين في قوله حول الفترة التي تنقلب فيها مفاهيم الناس ويستحلّون حرامه بالشبهات الكاذبة، والأهواء الساهية، فيستحلّون الخمر بـ(النبيذ)، والسحت بـ(الهديّة)، والرِّبا بـ(البيع) (نهج البلاغة/ الخطبة 156).
فالخمرُ وضِعَ في قناني فاخرة أو اصطلح عليه بـ(النبيذ) أو المشروب الروحي، يبقى يمارس دوره في إفقادي عقلي وتغييب إنسانيتي.
والسحت أو الرشوة حتى لو وضعت في مغلّف جميل وكتب عليه عبارات إهداء رقيقة، لن يوقف عدوانه على العدل والمساواة.
والرِّبا، بما هو شرط، لن يُخفِّف من لهجته أو وطأته أو تأثيره التخريبي، كلمات، هذا ليس ربا.. هذا بيع، هذا ليس ربا.. هذه تجارة.. هذا ليس ربا.. هذه مقايضة.. هذا ليس ربا.. هذا اتفاق..
إنّ حرمة القمار والخمر والزِّنا والكذب وعقوق الوالدين والرشوة ليست حرمة مؤقتة حتى يقال لقد كانت تلك لفترة ولظروف معيّنة ثمّ زالت أو رفعت أو انتفت، إنّه تحريم أبدي لا رجعة فيه، فلا مجال لإعادة النظر أو الإستئناف في تحريمه أو المناقشة في إمكانية تحسينه ليخطى بالحلِّيّة.
إنّ الحرام – حرامُ الله – ليس قراراً حكومياً أو رسمياً تمكن مراجعته على ضوء المستجدات، وليس موضة حتى يُستبدل القديم منها بالعصري، فالذي حرَّم السرقة ووضع لها أشدّ العقوبة لن يبدل موقفه منها بعد أن ختم شرائعه بكمال الدين وتمام النعمة، ولن يقول على لسان رسولٍ لم يرسله كانت السرقة في وقتٍ ما محرَّمة، ولم تعد كذلك بعد اليوم.. لن يجعل هذا ألبتة، ولقد سبقت الإشارة أنّ السرفة مذمومة ومحتقرة حتى ولو لم يذمّها القرآن، وحتى لو لم يتوعّد الله تعالى السارق والسارقة بقطع اليد.
وحتى النيّة الحسنة لا تُبرِّر الحرام، فالذي يسرق ويتصدّق إنسان منحرف لا يحمل ذرّة تقوى.
يقول الشاعر:
كمطعمةِ الأيتام من كدّ فرجها **** لكِ الويلُ لا تزني ولا تتصدّقي!!

- هل المباح (الحلال) بلا ضوابط؟
مخطئٌ مَن يتصوّر أنّ الحلال – وهو شارع رئيسي في قلب المدينة – بلا إشارات مرور.. صحيح أنّ الضوء الأخضر أكثر ما يشتعل ويضيء في هذا الشارع، لكن الضوء الأصفر والأحمر يشتعلان أحياناً، وذلك حينما يُساء استغلال الحلال.
الحلال في الإسلام له ضوابطه وأصوله ومبادؤه، صحيحٌ أيضاً أنّ الأصل في الأشياء الإباحة، لكن لابدّ من الدخول إلى البيوت من أبوابها، فمن أراد مدينة الحلال فليأتها من بابها.
فالزواج حلال ومشروع، وهو الصيغة الصالحة التي أقرّها الإسلام لإقتران الرجل بالمرأة، وبيَّن أنّ هذا الإقتران حتى يحصل لابدّ له من ضوابط معروفة.
كما أنّ الحلال لا يعني الإستغراق والإستهلاك والإسراف، لأنّه حينئذ يخرج عن حدّ المنفعة إلى حدّ الضرر.
يقول تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف/ 31)، ولو تتبعت آثار وتبعات الإسراف للاحظت أنّه يسيء إلى المسرف نفسه، وإلى مجتمعه أيضاً في استهلاك ما يمكن أن يكون طعاماً أو شراباً لغيره، حتى ولو ادّعى أنّ المال ماله وبإمكانه أن يشتري به ما يشاء، ولو عرف المسرف أنّ المشرِّع الإسلامي منع (السفيه) من التصرُّف بماله لأنّه لا يحسن التصرُّف، لأدرك أنّ المشرع يتدخّل أحياناً لحماية الإنسان من شرور نفسه، أو لحماية مجتمعه من شروره.

- الحلال والحرام معياران للضبط الإجتماعي:
تخيّل أنّه لو لم يكن هناك شيء اسمه (مسموح).. فكلّ شيء ممنوع، فكيف ستكون حياتك حينذاك؟
إنّنا نجيب بلا تردُّد أنّها حياة أشبه بالموت، بل قد يكون الموت أرأف منها.
إنّ الأبواب المغلقة تعني الشلل التام.
وتخيّل أيضاً لو لم يكن هناك شيء اسمه (الممنوع)، كيف ستكون الحركة في شوارع المدينة؟ وكيف سينتظم السير؟ كيف يمكن أن تأمن شرور الشرير؟ وكيف يمكن أن تتفادى سيطرة الجنون والقوة والشهوة والإستغلال والبطش؟
إنّ وجود الحرام إلى جانب الحلال يعطي للحلال نكهة خاصّة ويظهر بشاعة الحرام وقبحه، ويجعل من الحلال حسناء يُخطبُ ودّها، ولو كانت البنات أو النساء كلّهنّ جميلات لما كان للجمال قيمة، إنّه يصبح قيمة عندما تكون هناك دميمات أو لا حظّ لهنّ من الجمال.
وانطلاقاً من ذلك، فإنّ تقنين حركة المجتمع على ضوء مسارات الحلال والحرام هو أشبه شيء بالقوانين التي تضعها الدولة حتى لا يُسيء أحد استخدام حرِّيته فيتعدّى على حرِّيات الآخرين أو ينتهك حقوقهم.
وظيفةُ الحلال هي أن يرسم لي خارطة الطريقة في العلاقات الإجتماعية بحيث أعرف مَنْ (أخالط) أو (أصادق) أو بمن (أقترن) أو (أشارك) أو (أتواصل) و(أتفاعل) إجتماعياً.
كما أنّ الحرام يضع لي خطوطاً حمراء بالنسبة للعلاقات المضادّة فلا أتجاوزها إلا دفعت الثمن باهضاً.
أنّ الشريعة (دليلي) الذي يقول لي أين أقف وأين أمضي، وأين أتقدّم وأين أتأخّر، وما هو المقبول وما هو غير المقبول.
قد يبدو (التقنين) للوهلة الأولى (إملاءً) و(إبطالاً لمفعول الإرادة) و(حدّاً من حرِّية الإبداع).
لكنّ دراسة عقلانية واعية للتقنين الإلهي (التشريع) يحلّ هذه الإشكالية، فبدلاً من أن (أجتهد) و(أُجرِّب) وأُخضع حركتي الإجتماعية للصواب والخطأ، وبدلاً من أن يضع كل فرد نظاماً مرورياً خاصّاً به، هناك مَن يكفينا مسؤولية ومشقّة البحث عن (الأصلح)، ولأنّ التشريع الإسلامي منطلق من عقل كلّي، وقدرة مطلقة، كان الحلال والحرام في هذا التشريع نظاماً مرورياً راقياً، هو الأقلّ حوادث مؤسفة بين الأنظمة المروريّة الأخرى.
ذلك أنّ نظام التشريع مُصمَّم لحياة الإنسان القائمة على نسبيّة، فلا تجد تشريعاً للحلال كلّه إيجابيات، ولا تجد تشريعاً للحرام كلّه سلبيات، ولكنّ العاقل الذي يرجِّح كفّة الإيجابيات في الحلال على كفّة السلبيات، فيعمل أو يأخذ به، ويرجِّح كفّة السلبيات على كفّة الإيجابيات في الحرام فيتركه أو يمتنع عنه.
يقول النبي (ص) فيما رُوِي عنه:
"حلالٌ بيِّن،
وحرامٌ بيِّن،
وشبهات بين ذلك،
فمَن ترك الشبهات، نجا من المحرَّمات،
ومَن أخذ بالشبهات، ارتكب المحرَّمات، وهلك من حيث لا يعلم".
وإنّما سُمِّيت الشبهة شبهة لأنّ الحلال والحرام يتشابه فيها، فلا يدري هل هذا حلال صِرف أم حرام صِرف، ولذلك كان ترك (الشبهة) أسلم للإنسان، لأنّه ينجيه من المحرَّم.
تأمّل في القصة الواقعية التالية:
جاء (عبدالله بن عمر) لفتىً راعٍ يرعى الأغنام، وقال له: لو ذبحت لنا شاة، وقلت لسيِّدك ماتت أو أكلها الذئب!
فالتفت الفتى (المؤتمن على رعي الأغنام ورعايتها) إلى ذلك الرجل مغضباً، وقال في صيغة استفهام استنكاري: والله، لو قلتُ لسيِّدي أنّ الشاة ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، لأنّني عنده صادقٌ أمين، وما عرفني إلا كذلك، ولكن: أينَ الله؟!
أين الله؟ هذا هو السؤال.
فلو استحضرت الله في كل حركتك الإجتماعية لكان ذلك عاصماً لك من الكثير من الأخطاء والخطايا، لأنّ (الشاهد) هو (الحاكم)، وهو الرقيب علينا والمطّلع على ما خفي على الكرام الكاتبين الذين وكّلهم بحفظ ما يكون منّا، وجعلهم شهوداً علينا مع جوارحنا.
أين الله؟
لو طرح الحاكم على نفسه هذا السؤال لعدل، ولو طرحه الزوج على نفسه لاتّقى الله في زوجته وعياله وأولاده، ولو طرحه الصديق على نفسه لما غشّ صديقٌ صديقاً، ولو طرحه الشريك على نفسه لما خان شريكه، ولو طرحه القوي على نفسه لما حدّثتهُ في البطش بالضعيف، ولو طرحه أصحابُ المطامع على أنفسهم لما امتدت أيديهم لتصادر أو تغتصب ممتلكات الغير.. وهكذا.

- الحسي والمعنوي في الحلال والحرام:
حتى لا تتصوّر أنّ المحرَّمات هي الأمور المادية فقط، لابدّ من أن تعرف أنّ الله تعالى حرَّم الفواحش (المنكرات والخبائث) ما ظهر منها وما بطن.
ما ظهر منها: المحرَّمات الحسّية، المادّية، الملموسة كالخمر، ولحم الخنزير والرِّبا والرَّشوة والقمار، والقتل.. وغيرها. والمحرَّمات المعنوية كالكذب والغش والخيانة.
وما بطن منها: هي كلّ الذنوب القبيحة الخفيّة: كاتخاذ السراري أو الأخدان أو الخليلات (صديقات السرّ)، والتناجي بالإثم والعدوان، أي الأحاديث السرّية التي تبيّت المؤامرة وتخطِّط للإيقاع بالصالحين.
وقد تجد بعض الناس يجتنبون المحرّم الصغير لكنهم لا يتورّعون عن ارتكاب المحرَّم الكبير، وقد يعترفون بالصغائر لكي يوهموا الناس أنّهم لم يقترفوا الكبائر.
إنّ التشريع الذي حلَّل وحرم هو نظام أو قانون متكامل، فليس التحريم في الإسلام كيفيّاً أو مزاجيّاً، نتركه إذا لم يؤثر على حياتنا أو مصالحنا، ونعمل به إذا تصوّرنا أنّه يُحقِّق لنا بعض الأرباح والمكاسب.
وقد يجد البعض الحرمة في لحم الخنزير، فلا يقربه، لكنه لا يتورّع عن أكل لحم أخيه ميتاً باغتيابه، وقد تجده يتحرّج من قطرات دم تقع على ثيابه فلا يصلِّي فيها مخافة أن لا تُقبل صلاته، لكنه يريق دم الكرامة الإنسانية في النيل من أعراض الناس، وانتهاك حرماتهم، وجرح أحاسيسهم.
وقد تجد مَن يمتنع عن الجلوس في مجالس شرب الخمر، لكنّه لا يجد غضاضة أو إثماً في الجلوس على الطرقات يلتهم بنظرته الفتيات وربّما يتحرّش بهنّ، وقد يغري بعضهم البعض بذلك، وقد يجلس في مجلس يُنال ويُشهَّر به بالأبرار والصالحين ويساء فيه إلى المقدّسات فلا تهتز له شعرة.
إنّنا لا يمكن أن نُجزِّء الحرام، فنجتنب (الحسّي) المادّي منه، ونطلق حرِّيّتنا في التعاطي مع المحرَّم المعنويّ: شيمة، أو بذاءة، أو تسقيطاً، أو إفتراء، أو شهادة زور، أو نميمة، أو طعناً في الأعراف، أو سخرية من البعض... إلخ.
الحرامُ كالخمر، والفقهاء يقولون: "ما أسكر كثيرهُ فقليله حرام"، فكما أنّ الزِّنا كجريمة حرام، فكذلك كلّ مقدّمات الزِّنا والخطوات المؤدية إليه حرام، فمقدّمة الحرام حرام.
ولابدّ لنا ونحن نحاول إنهاء هذه الجولة في حركة الحلال والحرام في حياتنا من أن نتذكّر ونذكّر أنّنا لسنا مشرّعين، ولا يحق لنا أن نقول هذا حلال وهذا حرام ونحن ننطق عن الهوى، فلابدّ من مُستَند شرعي يستند إليه ويستدل به، وإذا أضعنا الطريق إلى الحلال والحرام فالحل هو كما لو أضعنا الطريق في شوارع المدينة، لنسأل العارفين بها، والله تعالى يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (الأنبياء/ 7).
وحريٌ بي كمسلم أن أتذكّر دائماً، وفي أي مكان أو موقف أكون، أن هويّتي وديني الذي هو الإسلام حرَّم عليَّ أموراً وحلَّل أخرى، فلا مجال للمجاملة في أي مجتمعٍ أكون.
فإذا عُرضَ عليَّ محرَّم في مجتمع يتعاطى المحرَّم، لابدّ أن أكون قوياً في القول:
- هذا محرَّم في ديني.
- هذا يتنافى مع عقيدتي.
- هذا ليس من أخلاقي.
- هذا لا ينسجم مع تربيتي وطبعي.
فلا أشرب المُسكر أو المخدِّر للمجاملة.. ولا أجالس البطّالين المغتابين للمجاملة.. ولا أماشي وأجاري المنحرفين للمجاملة.. ولا أمتنع عن أداء شعائري وطقوسي الدينية حياءً أو خجلاً أو مجاملة لتاركي الصلاة والعبادات.. ولا أمارس (الممنوع) مخافة أن يقال عنِّي (معقّد) أو بلا ذوق أو أنّني لا أعرف (الإتيكيت) أو أجهل في آداب اللياقة، فليس من اللياقة أن أنزل ممّا أنا فيه من (رفعة الإسلام) وترفّعه لأكون مع المتسافلين.
قيل لأحد الشباب، وقد أراد زملاؤه تحريضه على إصطحابهم إلى المهلى الليليّ: هلمّ بنا نتخفَّف من أعباء الدراسة وضغوط الحياة.. دعنا (نفرفش) وننسى هموم الإمتحانات..
قال: هذا مكان لا تطأه رجلي!
فسخروا منه ووصفوه بأنّه (معقّد)!
فردّ عليهم بالقول: إذا كان عدم الذهاب إلى الأماكن التافهة والمتحلّلة والفاجرة عُقدة.. فأنا أكبر المعقّدين!!
وقد يُسمِّي البعض – على طريقة العناوين المزيّفة التي سبقت الإشارة إليها – أماكن اللهو الفاسد والمخرِّب بـ(اللهو البريء) ليضفي عليه صبغة الحِلِّية أو المشروعيّة، ولابدّ لنا من أن نتعلّم من مثال الدود والسُكّر كيف نتعالى على الخديعة والتزييف.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] تنويه: هذا ليس موضوعاً فقهياً.. فنحن هنا لسنا في صدد تحقيق بحث فقهي في الحلال والحرام، فلذلك مجاله واختصاصه، بل نحن هنا في صدد الإشارة إلى البُعد الإجتماعي في مسألتي (الحلال) و(الحرام)، أي بالمقدار الذي يتصل بالتفسير الإجتماعي لهمان وبالمدلول التربوي لهذين الحكمين في الحياة، لذا اقتضى التنويه.
[2] شجرة عنب.

الرد مع إقتباس