الموضوع: كف الاذى
عرض مشاركة مفردة
قديم 26-11-2017, 10:03 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

الفصل الثالث: كفّ الأذى في الأسرة، الجار، الأصدقاء والزملاء ، الأجير
كفّ الأذى في الأسرة
تمهيد:
يقول إمامنا السجّاد زين العابدين عليه السلام في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ الزوجة فأن تعلم أنّ الله عزّ وجلّ جعلها لك سكناً وأنساً، فتعلم أنّ ذلك نعمة من الله عليك، فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقّك عليها أوجب، فإنّ لها عليك أن ترحمها لأنّها أسيرك، وتطعمها وتكسوها، وإذا جهلت عفوت عنها.
وأمّا حقّ أخيك فأن تعلم أنّه يدك وعزّك وقوّتك، فلا تتّخذه سلاحاً على معصية الله ولا عدّة للظلم لخلق الله، ولا تدع نصرته على عدوّه، والنصيحة له، فإن أطاع الله وإلّا فليكن الله أكرم عليك منه، ولا قوّة إلّا بالله.
وأمّا حقّ أمّك فأن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحداً، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحي وتظلّك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد، لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها إلّا بعون الله وتوفيقه. وأمّا حقّ أبيك فأن تعلم أنّه أصلك، وأنّه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ممّا يعجبك، فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه فاحمد
25
الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوّة إلّا بالله.
وأمّا حقّ ولدك فأن تعلم أنّه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا ولّيته به من حسن الأدب والدلالة على ربّه عزّ وجلّ والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه".
هذه بعض الحقوق التي ذكرها الإمام السجّاد عليه السلام في رسالة الحقوق، وهي تختصر سلوك المرء في أسرته ومع أرحامه، وما سنسلّط الضوء عليه منها، هو ما يتعلّق بكفّ الأذى في النطاق الأسريّ.
كفّ الأذى عن الوالدين
لقد وقف الشارع موقفاً حاسماً من التعاطي بأيّ شكل من أشكال السلبيّة مع الوالدين، بل إنّ الله تعالى قرن طاعتهما بطاعته ونهى نهياً شديداً في آياته عن التعرّض لهما إذ يقول في محكم آياته: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾1، ويقول في آية أخرى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا ْإلّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾2.
إنّ تكريم الوالدين فضلاً عن ترك أذاهما من أقلّ ما يمكن أن يقوم به الإنسان تجاه من بذل الغالي والنفيس في سبيل تربيته، وتعب في ليله ونهاره كي يقوده إلى أن يكون عنصراً ناجحا في أمّته, ولا يحتاج الإنسان ليستبين هذه الحقيقة إلى أن يقرأها في القرآن أو يستفيدها
26
من أيّ حديث شريف، فالبرّ بالوالدين من الأمور التي تدعو إليها الفطرة السليمة النقيّة، وإنّ حقّ الوالدين هذا إنسانيّ بامتياز، قبل أن يكّون حقاً إجتماعيّاً أو شرعيّاً.
ولكن لننظر قليلاً لما أولاه الشرع من تأكيد على هذا البرّ، ولننظر كيف أشار الإمام السجاد عليه السلام في هذه الحقوق إذ يقول بعد أن يعدّد ما لفضل الأم على الولد من حيث تقديمها له على نفسها، إذ كانت تجوع ويشبع، وتسهر عليه لينام، جاعلاً مكافأة هذا الصنيع ممّا يحتاج إلى توفيق من الله تعالى يقول عليه السلام:
"وأمّا حقّ أمّك فأن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداّ، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحداً، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحي وتظلّك، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد، لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها إلا بعون الله وتوفيقه".
فإذا كان مقدار التأكيد على طاعتهما والبرّ بهما بهذه الدرجة من الأهميّة فما بالك بمن لا يتورّع عن جلب الأذى لهما في كبرهما، وهذا ما سنسلّط الضوء عليه وعلى عواقبه.
المجازاة بسوء الصنيع
في مقابل كلّ هذا التفاني والتضحية التي يقدّمها الوالدان للإبن، فإنّ أدنى ما يقال في أذاهما أنّه مجازاة لحسن الصنيع بعمل قبيح، على أنّ جزاء الإحسان إنمّا يكون بإحسان مقابل، يقول الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾3.
27
وحينما نتحدّث عن سوء الصنيع والأذى, يكون الكلام عن كلّ أشكال الأذيّة التي يمكن أن يستشعر بها الوالدان، فالأب والأمّ يتوّقعان من الولد أن يكون:
1– معيلاً لهما في كبرهما:
فيساعدهما على تخطّي العجز الجسديّ، ولا سيّما الأب الذي قد يصل لمرحلة لا يستطيع أن يعمل بها، بسبب العجز وعدم القدرة على تحمّل المشقّات. ومعيلاً لهما من الجهة المعنويّة، بحيث يشعران بوجود من يمكنهما الاعتماد عليه، والدفاع عنهما إن ألمّ بهما أيّ سوء، وهذه حاجة نفسيّة في غاية الأهميّة لكبار السنّ.
2– مطيعاً لهما:
بمعنى أن يستفيد من تجربتهما في الحياة، وهي تجربة طويلة، وحينما يقدّمها الأهل للولد مجّاناً، فإنّها تكون قد حدثت لهما بعد تحمّل الكثير من الشقاء والتعب.
3– مكرماً لهما:
بمعنى أن يحافظ على مكانتهما التي احتلّوها بما بذلاً لأجله، فيرفع من قدرهما, ويبيّن بين الناس محاسنهما, ويحفظ لهما حسن صنيعهما معه.
4– خلفاً صالحاً:
لأنّ من سعادة المرء في الدارين أن يخلفه ولد صالح، بحيث يكرمه
28
في حياته، ولا يهينه في مرحلة الشيخوخة والكبر، ويجرّ إليه الذكر الطيّب والرحمات بعد وفاته، من خلال الأعمال التي يرسلها الحيّ إلى أهل البرزخ، ومن خلال عمله الذي يذكّر الناس بطيب أصله وحسن تربيته.
فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "ثلاثة من السعادة: الزوجة المؤاتية، والأولاد البارّون، والرجل يرزق معيشته ببلده، يغدو إلى أهله و يروح"4.
وعن عليّ بن الحسين عليهما السلام أنّه قال: "من سعادة المرء أن يكون متجره في بلده، ويكون خلطاؤه صالحين، ويكون له ولد يستعين بهم"5.
إنّ أيّ تخلّف عن تحقيق هذه الآمال التي ذكرناها، يعتبر نوعاً من العقوق المنهيّ عنه في الشريعة، وهو أيضاً سلوكٌ لا يتناسب والفطرة السليمة، الداعية لشكر المنعم والمحسن، وسلوكاً منحرفاً في نظر الضمير الإنسانيّ العامّ.
العقوق من الكبائر
عدّ العلماء العظام والفقهاء المجتهدون العقوق من كبائر الذنوب، بناءً على ما جاء في روايات أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "وأمّا الكبائر فهي كلّ معصية ورد التوعيد عليها بالنار أو بالعقاب، أو شدّد عليها تشديداً عظيماً، أو دلّ دليل على كونها أكبر من بعض الكبائر أو مثلها، أو حكم العقل على أنّها
29
كبيرة، أو كان في ارتكاز المتشرّعة كذلك، أو ورد النصّ بكونها كبيرة، وهي كثيرة: "منها اليأس من روح الله، والأمن من مكره والكذب عليه أو على رسوله وأوصيائه عليهم السلام، وقتل النفس التي حرّمها الله إلّا بالحقّ، وعقوق الوالدين"6.
وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ من الكبائر عقوق الوالدين، واليأس من رَوح الله، والأمن من مكر الله"7.
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: "الكبائر: القنوط من رحمة الله، واليأس من رَوح الله، والأمن من مكر الله، وقتل النفس التي حرّم الله، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا بعد البيّنة، والتعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، فقيل له: أرأيت المرتكب للكبيرة يموت عليها، أتخرجه من الإيمان، وإن عذّب بها فيكون عذابه كعذاب المشركين، أو له انقطاع؟ قال: يخرج من الإسلام إذا زعم أنّها حلال، ولذلك يعذّب أشدّ العذاب، وإن كان معترفاً بأنّها كبيرة وهي عليه حرام، وأنّه يعذّب عليها وأنّها غير حلال، فإنّه معذّب عليها، وهو أهون عذاباً من الأوّل، ويخرجه من الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام"8.
عاقبة العقوق العاجلة
إنّ هنالك نوعاً من الذنوب يعجّل به العذاب في الدنيا قبل الآخرة، وذلك لشدّة عظمة الذنب وقبحه الشديد، ومن تلك الذنوب عقوق
30
الوالدين، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاثة من الذنوب تعجّل عقوبتها، ولا تؤخّر إلى الآخرة: عقوق الوالدين، والبغي على الناس، وكفر الإحسان"9.
ومن عقوبات العقوق في الدنيا زوال النعم التي منّ الله تعالى بها على العبد، والتي أشير إليها في دعاء كميل بن زياد رحمه الله: "اللهمّ اغفر لي الذنوب التي تغيِّر النعم"، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "الذنوب التي تغيرّ النعم: البغي، والذنوب التي تورث الندم: القتل، والتي تنزل النقم: الظلم، والتي تهتك الستور: شرب الخمر، والتي تحبس الرزق: الزنى، والتي تعجّل الفناء: قطيعة الرحم، والتي ترّد الدعاء وتظلم الهواء: عقوق الوالدين"10.
31
الجار
تمهيد:
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾11.
إنّ المجتمع الإسلاميّ يعتمد في علاقاته الاجتماعيّة على القيم التي أرستها الرسالة المحمّديّة، والتي حوت من التعاليم والإرشادات ما من شأنها أن تنتقل بالمجتمع من مجموعات لا يجمع بينها سوى القرب الجغرافي، إلى مجتمع واحد تحكمه روابط عميقة ترتكز في النفوس، قبل أن تكون مجرّد مجاملات ظاهريّة يقتضيها ذلك القرب.
ومن أكثر ما يلفت النظر في هذا المجال، ما أولاه الدين الإسلاميّ من رعاية لحالة الجوار، وما جاء فيه من كثير من الأحاديث، والتأكيد القرآنيّ عليه بالدرجة الأولى، فإذا لاحظنا هذه الآية الشريفة، التي تدعو بشكل واضح لإيلاء الجار ذي القربى والجار الجنب حقّه، فمن الواضح أنّ هنالك ما يترتّب على هذه القرابة من حقوق، وهذا ما سنحاول الإضاءة عليه في هذا الدرس.
33
وسنتعرّض في بداية الدرس إلى مسألة في غاية الأهميّة، عن الروابط التي تربط بين البشر لنصل من خلالها إلى فهم الأساس الذي بنيت عليه هذه الدعوة لحقّ الجوار والجار.
الروابط بين البشر
لا شكّ بأنّ ما يجمع البشر بشتّى ألوانهم وأديانهم وانتماءاتهم السياسيّة والمذهبيّة، أكبر من مجرّد السكن على كوكبنا الأزرق، وهو الرابط الإنسانيّ.
فالإنسان أخو الإنسان، وكلّنا من نسل واحد يرجع إلى آدم عليه السلام، وهذا رابط أساس لا بدّ من عدم الغفلة عنه، وقد أشارت إليه الروايات الشريفة، فعن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أيّها الناس إنّكم من آدم وآدم من طين، ألا وإنّ خيركم عند الله وأكرمكم عليه اليوم أتقاكم، وأطوعكم له، ألا وإنّ العربيّة ليست بأبٍ والد، ولكنّها لسان ناطق"12.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق"13.
فالرابط الأوّل بين الناس هو الرابط الإنسانيّ بالانتساب إلى آدم عليه السلام.
رابط آخر يجمع ما بين الناس، وهو الانتماء الدينيّ، فهناك قوم يتبعون ديناً ما، وآخرون يتبعون ديناً آخر، وتشكّل كلّ مجموعة منتسبة إلى دين ما طائفة، تتوحّد فيما بينها من خلال التديّن بدين واحد، ويربط بينها رابط دينيّ، فالمسلم أخو المسلم، يربط بينهما الإعتقاد
34
والإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾14.
وثمّة رابط آخر يجمع من بين الناس، وهو الرابط بالنسب والقرابة، كالخال والعمّ والجدّ والحفيد، والصهر والعمّ والد الزوجة، فهذا الرابط يجمع ما بين الناس أيضاً، وقد يسمّى الرابط العائليّ.
ومن الروابط التي تربط بين البشر رابط القرب الجغرافيّ، فسكّان قارّة آسيا يجمعهم عنوان "الآسيويّون"وكذلك الحال في القارات الأخرى، ولكنّ الرابط الجغرافيّ، يضيق شيئاً فشيئاً لحدود المدينة والقرية، ومن ثمّ الحيّ السكنيّ وصولاً إلى الجوار.
قيمة الجار في الإسلام
لقد نظر الإسلام نظرة خاصّةً إلى الجوار، هي أبعد ما تكون عن مجرّد حالة من حالات التجمّع الإنسانيّ المشكّل للمجتمع، ولكنّه أراد من خلال ما افترضه من حقوق بين المتجاورين وآداب للتعاطي بينهم فرض السلام الاجتماعيّ المبنيّ على المودّة والاحترام المتبادل، لذا كان الوحي يتنزّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دوماً، منبّهاً وموصياً بحفظ الجار وأداء حقّه، ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "قيل يا نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم: أفي المال حقّ سوى الزكاة؟
قال: نعم برُّ الرحم إذا أدبرت، وصلة الجار المسلم، فما آمن بي من بات شبعان وجاره المسلم جائع، ثمّ قال: ما زال جبرائيل عليه السلام يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه"15.
35
ماذا يربطنا بالجار؟
ذكرنا فيما سبق أنّ هنالك العديد من الروابط التي تربط بين البشر، وقد تشترك بعض هذه الروابط مع بعضها البعض كما هو حاصل لدينا في مسألة الجوار، ولهذا ينبّه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى أنّه قد يكون للجار المسلم أكثر من حقّ الجوار، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق:
حقّ الإسلام، وحقّ الجوار وحقّ القرابة.
ومنهم من له حقّان: حقّ الإسلام، وحقّ الجوار.
ومنهم من له حقّ واحد: الكافر له حقّ الجوار"16.
من حقوق الجار
لخَّص الإمام السجّاد زين العابدين عليه السلام حقوق الجار في صحيفته السجاديَّة المباركة فقال:
"وأمّا حقّ جارك، فحفظه غائباً، وإكرامه شاهداً، ونصرته إذا كان مظلوماً، ولا تتبّع له عورة، فإن علمت عليه سوءاً سترته عليه، وإن علمت أنّه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلمه عند شديدة، وتقيل عثرته، وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرة كريمة، ولا قوّة إلا بالله".
وسنضيء على بعض ما ورد من هذه الحقوق، والتي تتعلّق بشكل أساسيّ بكفّ الأذى، فأوّل هذه الحقوق:
36
1- لا تتبع له عورة
سواء بحفظ خصوصيّته في بيته، إذا كان بيتك مشرفاً على داره، بحيث تغضّ الطرف عن النظر إلى داخله, وتكفّ بصرك عن عياله، وهذا ما كان من أخلاق العرب ما قبل الإسلام، وأكّد عليه الدين الحنيف. ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من ملأ عينه من حرام، ملأ الله عينه يوم القيامة من النار، إلّا أن يتوب ويرجع"17.
وليعلم المؤمن أنّه تحت نظر الله تعالى، وأنّ الله تعالى أمره بالستر على عورات الناس، ولا سيّما الجار، وأنّ كفّ البصر عن الحرام في هذه المواطن ممّا يورث المرء حلاوة من الإيمان، ويضيف لانتصاراته على الشيطان انتصاراً آخر، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما اعتصم أحد بمثل ما اعتصم بغضّ البصر، فإنّ البصر لا يغضّ عن محارم الله إلّاوقد سبق إلى قلبه مشاهدة العظمة والجلال"18.
وسئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: بما يستعان على غضّ البصر؟
فقال: "بالخمود تحت سلطان المطّلع على سترك"19.
فإنّه وإن كان لا يراك ناظر حين تنظر لعورات الآخرين، إلّا أنّ هنالك ناظراً يراك في كلّ سرّك وعلانيّتك ويراقبك، وملائكته تحصي عليك النظرة والطرفة، وما هو أدنى من ذلك.
37
2- أن تحفظه في غيبته
فترعى حال عياله وأطفاله، وتقضي لهم من حوائج الدنيا ما يحتاجون إليه، فهذا من الحقوق التي لا ينبغي التفريط فيها، ففي الرواية عن الإمام السجّاد عليه السلام: "ولا تخرج أن تكون سلماً له، تردّ عنه لسان الشتيمة، وتبطل فيه كيد حامل النصيحة"20.
ولا بأس بالتنبيه إلى خصوصيّة الجار المجاهد، فإنّ رعاية حال عياله وحفظه في غيبته أوجب في الحقوق، وحقّه بجهاده يضاف إلى حقّ الجوار وحقّ الأخوّة في الإيمان، وعليه فإنّ من حقّ الجار المجاهد أن نكفّ عنه الأذى، ولا نخلفه في أهله خلافة السوء، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من اغتاب غازياً في سبيل الله أو آذاه أو خلفه بسوء في أهله، نصب له يوم القيامة علمُ غدرٍ فيستفرغ حسناته، ثمّ يركس في النار"21.
38
الأصدقاء والزملاء
حقّ الصاحب:
عن الإمام زين العابدين عليه السلام "وأما حق الصاحب فأن تصحبه بالتفضل والإنصاف وتكرمه كما يكرمك ولا تدعه يسبق إلى مكرمة فإن سبق كافأته وتودّه كما يودّك وتزجره عما يهم به من معصية وكن عليه رحمة ولا تكن عليه عذاباً ولا قوّة إلا بالله".
حينما ينهمك المرء وينشغل في متاعب الحياة، ويراكم كلّ هذا الكمّ الهائل من المشاكل التي تواجهه, فإنّه يحتاج إلى فسحة يستريح بها، ويستعيد من خلالها نشاطه وهمّته المتداعية.
وحينما ينفرد المرء وتعتلج المشاعر في نفسه، وتتضاربه الأفكار حينما يخطّط للحياة، فإنّه يحتاج لفسحة أخرى.
وحينما يضيق الصدر بما يحمل، يحتاج الإنسان إلى فسحة أيضاً، وهذه الفسحة هي الصديق والأخ في الله.
ورد في الرواية عن إمامنا الصادق عليه السلام: "لكلّ شيءٍ شيءٌ يستريح إليه، وإنّ المؤمن يستريح إلى أخيه المؤمن، كما يستريح الطير إلى شكله"22.
إنّ الأخ في الله هو نعمة إلهيّة على العبد، لا تقدّر بكلّ كنوز الدنيا،
39
والتفريط بها لا يقلّ شأناً عن التفريط بأثمن النعم، كيف لا، وحال من فقد الصديق معروف لدى المجرّبين، من التعب والأرق والندامة.
فكيف نحافظ على هذه النعمة؟ وما هو موقف الشارع المقدّس من الإساءة إليها؟ هذا ما سنتعرّض له إن شاء الله تعالى، جعلنا الله وإيّاكم من المحافظين على نعمائه.
لماذا نكتسب الأصدقاء؟
لا بدّ للإنسان الاجتماعي من اكتساب الصديق، ولا غنى له عنه في زحمة الحياة، كيف لا والصديق أقرب الناس إلى الصديق، وهو المعين في وقت الضيق، والمشتكى حين لا سامع من سائر الناس، ولهذا أكّد أهل البيت عليهم السلام على اكتساب الإخوان، والإكثار منهم؛ ففي الرواية عن الإمام علي عليه السلام: "عليك بإخوان الصدق، فأكثر من اكتسابهم، فإنّهم عدّة عند الرخاء، وجُنَّة عند البلاء"23.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ألا وإنّ المؤمنَين إذا تحابَّا في الله عزّ وجلّ وتصافيا بالله، كانا كالجسد الواحد، إذا اشتكى أحدهما من جسده موضعاً، وجد الآخر ألم ذلك الموضع"24.
بل إنّ لاكتساب الأخ فضلاً عمّا في نفعه للدنيا أجراً في الآخرة، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جدّد أخاً في الإسلام، بنى الله له برجاً في الجنّة"25.
هذا مضافاً لعظيم نفعهم الأخرويّ وهو الشفاعة، أي شفاعة الأخ
40
للأخ والصديق للصديق، وهذا هو أثمن ما يمكن الحصول عليه في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إستكثروا من الإخوان فإنّ لكلّ مؤمن شفاعة يوم القيامة"26.
لا تفرّط بأخيك
لأهميّة هذا كلّه ينبغي عدم التفريط بالأصدقاء والإخوة المكتسبين في الله، ولهذا ينبغي مراعاة المشاعر بين الصديقين لكي يدوم الودّ بينهما، وسنسلّط الضوء على بعض ما يفسد الودّ، والذي ينبغي علينا تجنّبه قدر الإمكان للحفاظ على هذه النعمة الإلهيّة.
فممّا يفسد الودّ بين الأخوة المتحابّين في الله تعالى:
1- ذهاب الحشمة
والمراد من ذهاب الحشمة انعدام الحياء بين الأصدقاء والإخوة، وكثيراً ما يحدث هذا من خلال التحدّث بأمورٍ خصوصيّة تخصّ الإنسان، وقد نهت الروايات عن هذا الأمر، فعن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام: "لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك، أبقِ منها، فإنّ ذهابَها ذهابُ الحياء"27.
2– ترك الحقوق
فترك الحقوق التي أرشدتنا إليها روايات أهل البيت عليهم السلام، يولّد التوتّر في العلاقة، لما يستتبع تركها من عتاب قد لا يكون بالشكل اللائق الذي يعبّر عنه بالنقد البنّاء، فالكثير من الناس لا تملك
41
الأسلوب المناسب في الحوار، وتحاول النقد بشكل سلبيّ للغاية، وباستعمال عبارات خادشة للأحاسيس، ممّا يوّلد توتّراً في العلاقة بين الأخوة، لهذا ينصح لتفادي هذا كلّه، أن يبتعد الإنسان عن أصل المشكلة، ومحاولة دَرْء هذا التوتّر من خلال الالتزام بالحقوق التي افترضت بين الإخوان في الله تعالى.
والحقوق التي أشارت إليها الروايات اختصرها إمامنا زين العابدين عليه السلام بقوله في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ الصاحب فأن تصحبه بالتفضّل والإنصاف، وتكرمه كما يكرمك ولا تدعه يسبق إلى مكرمة، فإن سبق كافأته، وتودّه كما يودّك، وتزجره عما يهمّ به من معصية، وكن عليه رحمة، ولا تكن عليه عذاباً، ولا قوّة إلا بالله".
خسارة الإخوان
ما أصعب أن تجد الصديق والأخ الذي يشعرك بأنّه النصف المكمّل لك، والذي لا تجده إلّا أمامك حتّى في أحلك الظروف، والذي يؤنسك حين تُعييك السبل عن تنفيس الكرب، فيكون الماء البارد الذي يزيح عنك حرراة الحياة وتعبها.
لكن الأصعب من هذا كلّه، أن يضيع منك هذا الكنز في لحظة غضب عابرة, أو خطرة سوء ظنٍ من شيطان رجيم، من شياطين الإنس أو الجنّ.
هنا تكون الخسارة الفادحة التي لا يمكن التعويض عنها، وهنا قد لا ينفع الندم فيما لو كان جرح الأخ كبيراً فيصعب التئامه.
42
لذا إخوتنا لا نكن ممّن جاء فيهم الحديث عن لسان أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، إذ ورد عنه قوله: "أعجز الناس من عجز عن اكتساب الأخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم"28.
ولو وقع بين الأخ وأخيه بينٌ وخلاف، فعلى سائر إخوانهما السعي في إصلاح ذات بينهما، ومحاولة ردم الهوّة التي وقعت بينهما، ولأم الجراح التي أسعدت حال إبليس، الذي أفرح ما يفرح به الوقيعة بين أخوين، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾29.
كما أنّه علينا إذا جاءنا أخ في الله معتذراً أن نقبل العذر منه، لأنّ ترك المعذرة من شيم اللئام، وجاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنّ أخاك حقّاً من غفر زلّتك، وسدّ خلّتك، وقبل عذرك، وستر عورتك، ونفى وجلك، وحقّق أملك"30.
43
الأجير
تمهيد:
يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾31.
التصوّر السائد لدى كثير من أهل الغنى أنّ استخدامهم لأجراء يعملون لديهم يجعلهم الأعلى مقاماً، هذا ما تشير إليه الآية الكريمة، منبّهة إلى أنّ التكامل في الحياة يكون من خلال تسخير البشر لبعضهم البعض، فيستفيد الأجير من مال الغنيّ ومتاعه، مقابل ما يقدّمه له من خدمات يعجز عن أدائها بنفسه، بسبب عدم توفّر الخبرة اللازمة، أو عدم قدرته على مباشرتها بنفسه.
يقول آية الله ناصر مكارم الشيرازي دام ظله معلّقاً على الآية: "إنّ وجود التفاوت والاختلاف بين البشر من ناحية مستوى المعيشة، لا يدلّ على تفاوتهم في المقامات والمنازل المعنويّة مطلقاً، بل: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات، ليتّخذ بعضهم بعضاً سخريّاً. لقد نسي هؤلاء أنّ حياة البشر حياة جماعيّة، ولا يمكن أن تدار إلّا عن طريق التعاون
45
والخدمة المتبادلة، فإذا ما تساوى كلّ الناس في مستوى معيشتهم وقابليّاتهم ومكانتهم الاجتماعيّة، فإنّ أصل التعاون والخدمة المتبادلة سيتزلزل.
بناء على هذا فينبغي أن لا يخدعهم هذا التفاوت، ويظنّوا أنّه معيار القيم الإنسانيّة، إذ: ورحمة ربّك خير ممّا يجمعون. بل إنّ كلّ المقامات والثروات لا تعدل جناح بعوضة، في مقابل رحمة الله والقرب منه"32.
هل الخدمة والتسخير إذلال ؟
يحاول أعداء الإسلام ومن يهمّه توجيه الطعنات إلى الدين، أن يدخل من خلال كلمة التسخير في الآية الكريمة، ليستدلّ على أنّ الإسلام دين يمارس الطبقيّة، ويكرّسها من خلال إباحته لتسخير العمّال في خدمة ذوي النفوذ والطبقة المترفة والمقتدرة ماديّاً، إلّا أنّ المدقّق فيما تعنيه الآية الكريمة، يتبيّن له أنّ معنى الآية لا يعني إطلاقاً أنّ "جماعة معيّنة من البشر، تسخِّر جماعة أخرى لأنفسها تسخيراً ظالماً يمتصّ الدماء والجهود، في حين أنّ الأمر ليس كذلك، بل هو استخدام الناس بعضهم بعضاً، أي أنّ كلّ جماعة من الناس لهم إمكانيات واستعدادات خاصة، يستطيعون العمل بواسطتها في مجال ما من شؤون الحياة، وهم بطبيعة الحال يقدّمون خدماتهم في ذلك الحقل إلى الآخرين، كما أنّ خدمات الآخرين في الحقول الأخرى تقدّم إليهم.
46
فالتسخير هو استخدام متبادل، وخدمة ذات طرفين، وبتعبير آخر: فإنّ الهدف من التسخير هو التعاون في أمر الحياة، ولا شيء آخر. ولا يخفى أنّ البشر لو كانوا متساوين جميعاّ من ناحية الذكاء والاستعداد الروحيّ والجسميّ، فسوف لن تتهيّأ مستلزمات الحياة الاجتماعيّة، والنظم الحياتيّة مطلقاً، كما أنّ خلايا جسم الإنسان لو كانت متشابهة من ناحية البنية والرقّة والمقاومة، لاختلّ نظام الجسم، فأين خلايا عظم كعب القدم القويّة جداً من خلايا العين الرقيقة؟ إنّ لكلّ من هاتين مهمّة خاصّة بنيت على أساسها. والمثال الحيّ الذي يمكن أن يضرب لهذا الموضوع هو الخدمات المتبادلة في جهاز التنفّس، ودوران الدم، والتغذية، وسائر أجهزة بدن الإنسان، التي هي مصداق واضح ليتّخذ بعضهم بعضاً سخريّاً، في إطار نشاطات البدن الداخلية، فهل يمكن الإشكال على مثل هذا التسخير؟"33.
مكانة العامل
يتعاطى الإسلام مع مسألة العامل من منطلق إنسانيّ، فالعامل كسائر البشر، ولا ينقص من قدره أنّ يكون أجيراً لقاء عمله، كما أنّ عمله لدى إنسان آخر، لا يعلي من مقدار ذلك الإنسان، فالأجير والمستأجر في الإنسانيّة سواء، وهذا ما تحكم به الفطرة السليمة.
وبناء على هذا المبدأ، لا بدّ وأن تبنى عليه سائر المسائل، ومن الأمور التي أكّد عليها الإسلام بخصوص العامل:
47
1– الرأفة به:
بمداراته وعدم القسوة في التعاطي معه بتحميله ما لا يحتمل أو ما يفوق طاقته، وفضل المداراة كثير، بل إنّ هناك عشرات الروايات التي أشارت بشكل مباشر وغير مباشر إلى فضل المدارة، منها ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش"34.
وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس، في غير ترك حقّ"35.
2– العفو عنه:
فيما لو أخلّ بغير قصد ببعض ما أوكل إليه، وهذا ما كان من أخلاق أهل البيت عليهم السلام، ففي الرواية أنّه جعلت جارية لعليّ بن الحسين عليه السلام تسكب الماء عليه وهو يتوضّأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجّه، فرفع عليّ بن الحسين عليه السلام رأسه إليها، فقالت الجارية: "إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿والكاظمين الغيظ﴾.
فقال عليه السلام لها: قد كظمت غيظي.
قالت: ﴿والعافين عن الناس﴾.
قال عليه السلام لها: قد عفا الله عنك.
قالت: ﴿والله يحبّ المحسنين﴾36.
48
قال عليه السلام: إذهبي فأنت حرّة"37.
ويكفي ما في العفو من الفضل، ما ورد في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أوقف العباد نادى منادٍ: ليقم من أجره على الله وليدخل الجنّة، قيل: من ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافون عن الناس"38.
ومن وصيّة الإمام عليّ عليه السلام - للأشتر لمّا ولّاه مصر -: "ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك، مثل الذي تحبّ وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه... ولا تندمنّ على عفو، ولا تبجحنّ بعقوبة"39.
خير الطعام
إنّ العمّال أكرمهم الله تعالى لأنّ كسبهم من خير الكسب، فهو من عرق الجبين وكدّ اليمين، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أكل أحد طعاماً قطّ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيّ الله داود كان يأكل من عمل يده"40.
فينبغي النظر إليهم بالعين التي نظر إليهم فيها الإسلام، ولهذا ينبغي رفع الظلم الذي يلحق بهم، من خلال أداء حقوقهم إليهم كاملة
49
دون نقصان، لتحقيق العدالة التي حثّت عليها الروايات الواردة من آل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ما عمرت البلدان بمثل العدل"41.
وعنه عليه السلام: "جعل الله سبحانه العدل قواماً للأنام، وتنزيهاً من المظالم والآثام، وتسنية للإسلام"42.
فهل سيأتي اليوم الذي نرى فيه العمّال في غاية الإنصاف من البشر، ولا يعانون من التمييز والاضطهاد؟
هذا ما يتوقّف عليه سلوك كلّ فرد منّا، حينما يشعر بالمسؤوليّة الشرعيّة والإنسانيّة تجاه العامل، فيكفّ أذاه عنه، ومن إصلاح النفس يبدأ مشوار الألف ميل، لتحقيق العدالة الاجتماعيّة.
50
هوامش
1- النساء: 36.
2- الإسراء: 23.
3- الرحمن: 60.
4- الكافي-الكليني- ج 5 ص258.
5- م. ن. ج 5 ص258.
6- تحرير الوسيلة - السيد الخميني - ج 1 ص 274.
7- الكافي- الكليني- ج 2 ص278.
8- م. ن. - ج 2 ص280.
9- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 70 ص 373.
10- م. ن، ص 374.
11- النساء: 36.
12- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 21 ص 138.
13- نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام - ج 3 ص 84.
14- الحجرات: 10.
15- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 71 ص 94.
16- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 8 ص 424.
17- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 ص 3291.
18- م. ن. - ج4 ص 3293.
19- م. ن. - ج 4 ص 3293.
20- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 71 ص 17.
21- م. ن. - ج 97 ص 50.
22- بحار الأنوار - العلّامة المجلسي - ج74 ص 234.
23- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - الحديث 155.
24- بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج74، ص280.
25- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - الحديث 158.
26- م. ن. - الحديث 161.
27- وسائل الشيعة - الحرّ العاملي - ج 12 ص 146.
28- ميزان الحكمة، الحديث 159.
29- الحجرات: 10.
30- غرر الحكم ح / 3645.
31- الزخرف: 32.
32- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج 16 ص 44.
33- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج16، ص45 – 46.
34- الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 ص 117.
35- تحف العقول- ابن شعبة الحراني - ص 42.
36- الآيات من سورة آل عمران: 134.
37- مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 1 ص 345.
38- ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 3 ص 2012.
39- م. ن. - ج 3 ص 2013.
40- ميزان الحكمة - محمد الري شهري - ج 3 ص 2699.
41- ميزان الحكمة - محمد الري شهري - ج 3 ص 1839.
42- ميزان الحكمة - محمد الري شهري - ج 3 ص 1838.
يتبع

الرد مع إقتباس