الموضوع: كف الاذى
عرض مشاركة مفردة
قديم 26-11-2017, 10:04 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 19-09-2018 11:17 PM

الجنس:

الإقامة:

الفصل الخامس: قضاء الحوائج، النصيحة، فنُّها, أدبها

قضاء الحوائج


تمهيد:

إنّ المجتمع البشريّ مبنيّ على التفاعل بين أفراده، فلا يمكن لإنسانٍ أن يعيش منعزلاً بشكل كامل عن سائر البشر، وينشأ من هذا التفاعل الأمور الإيجابيّة والسلبيّة على حدّ سواء.

لذا قد يختلف الناس وقد يتّفقون، وقد يصل النزاع بينهم لحدٍّ لا يتصوّر من حروبٍ وعداوات, وقد يحلّ السلم بينهم بشكل مذهل، إذا تكاتف أبناء المجتمع ورعوا مصالح بعضهم، وعمّ بينهم الإخاء.

ولأنّ المجتمعات لا تترك حالها بدون قانون يرعى أحوالها وينظّم العلاقات بين الأفراد، كانت القوانين الوضعيّة والديانات السماويّة، وسنسلّط الضوء في هذا الدرس على صفة من الصفات التي أكّد عليها الإسلام بشكل كبير جدّاً، ألا وهي خدمة أفراد المجتمع الإيمانيّ لبعضهم البعض.


طرق الحقّ خدمة الخلق

قدّست الشريعة الإسلاميّة خدمة المؤمن للمؤمن وقضاء حاجته، ولو حاولنا استقصاء الروايات الكثيرة التي وردت في هذا الشأن لضاق بنا المقام، إلّا أنّه من المناسب الإشارة إلى بعض المحفّزات التي أشارت إليها الروايات الشريفة، لتحريض المؤمنين على خدمة

73

بعضهم، فعلى الصعيد الدنيويّ، فالله تعالى يتكفّل بحاجة من يقضي حاجة أخيه المؤمن، كما جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من كان في حاجة أخيه المؤمن المسلم، كان الله في حاجته ما كان في حاجة أخيه"1.


وأمّا على الصعيد الأخرويّ

1– الأمن يوم القيامة:

من العذاب الإلهيّ والجزاء المستحقّ على التقصير في أداء حقّ الله تعالى، ففي الرواية عن الإمام الكاظم عليه السلام: "إنّ لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة"2.

2– الثواب:

فبعد الأمن من العقاب الإلهيّ، يزيد الله تعالى من رحمته بأن يعطي قاضي حوائج المؤمنين ثواباً كبيراً، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله، كتب الله عزّ وجلّ له ألف ألف حسنة"3.

بل إنّ بعض الروايات وصفت أجر قضاء حاجة المؤمن بأكثر من أجر الجهاد في سبيل الله تعالى، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من مشى في عون أخيه ومنفعته، فله ثواب المجاهدين في سبيل الله"4.

74

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام - في حديث طويل -: "لأن أسعى مع أخٍ لي في حاجةٍ حتَّى تقضى، أحبُّ إليَّ من أن أعتق ألف نسمة، وأحمل على ألف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة"5.

بل عدّت بعض الروايات قضاء الحوائج من حيث الفضل بأنّه أفضل من فضل الحجّ، وتزيد عنه بعشر مرات، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "لَقضَاءُ حاجة امرئٍ مؤمنٍ أفضل من حجّة وحجّة وحجّة، حتى عدَّ عشرَ حجج"6.

وفي قمّة الروايات التي مجّدت هذا العمل، وتحدّثت عن جزيل الثواب الموعود من الله تعالى عليه، ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من قضى لأخيه المؤمن حاجة، كان كمن عبد الله دهره"7.

فأيّ ثوابٍ بعد هذا الثواب، وكيف لا يطمع المرء في خدمة الناس وقضاء حاجتهم، بل إنّ المغبون حقًّا من أضاع العمر ولم يلتفت لهذه الفرصة، التي تعتبر جواز سفر إلى السعادة الأخرويّة.


أحبُّ الناس إلى الله

ليس غريباً أن تصف الروايات من يسعون في قضاء حاجات الناس بأنّهم أحبّ الناس إلى الله عزَّ وجلّ, لأنهم يجسّدون أسمى المعاني الإنسانيّة وأرقاها، وهو العطاء، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال الله عزّ وجلّ: الخلق عيالي، فأحبّهم إليّ ألطفهم بهم، وأسعاهم في حاجاتهم"8.

75

لا تؤذِ ذوي الحاجة

إذا لم يرد الإنسان السعي في حاجات المؤمنين، وأراد تضييع الفرصة، أو لم يكن قادراً على ذلك، فلا بدّ أن يلتفت لمسألة في غاية الأهميّة، وهي أنّه بمقدار ما أوعد الله تعالى من الثواب على قضاء الحاجة، بمقدار ما أوعد به على أذيّة ذوي الحاجات، من خلال التصرّفات غير المناسبة، التي قد يلجأ لها المرء، للتهرّب من الحرج الذي قد يشعر به للأسباب الآنفة الذكر, ومن هذه الأعمال:

1- ترك الصدّ والمنع:

مع القدرة على المساعدة، وكم هو مرعب ما جاء في الرواية عن عاقبة لهذا العمل، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "أيّما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة، وهو يقدر على قضائها فمنعه إيّاها، عيّره الله يوم القيامة تعييراً شديداً، وقال له: أتاك أخوك في حاجة قد جعلت قضاءها في يدك، فمنعته إيّاها زهداً منك في ثوابها، وعزّتي لا أنظر إليك اليوم في حاجة، معذّباً كنت أو مغفوراً لك"9.

وأصعب من هذه الرواية ما روي عن الإمام الكاظم عليه السلام: "من قصد إليه رجل من إخوانه، مستجيراً به في بعض أحواله، فلم يجره بعد أن يقدر عليه، فقد قطع ولاية الله عزّ وجلّ"10.

نسأل الله تعالى أن لا نكون من المخذولين يوم القيامة، الذين وصفتهم الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما من مؤمنٍ يخذل

76

أخاه وهو يقدر على نصرته، إلّا خذله الله في الدنيا والآخرة"11.

2– ترك الاحتجاب:

أي التهرّب كأن يقول لمن يستقبله أنّه في شغل عنه ولا يقدر على لقائه, فهذا التصرّف يعتبر من التصرّفات التي نهت عنها الروايات الشريفة، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من صار إلى أخيه المؤمن في حاجته أو مسلما فحجبه، لم يزل في لعنة الله إلى أن حضرته الوفاة"12.

وما أشدّ عقوبة هذا العمل في الرواية المرويّة عن الإمام الصادق عليه السلام: "أيّما مؤمن كان بينه وبين مؤمن حجاب، ضرب الله عزّ وجلّ بينه وبين الجنّة سبعين ألف سور، ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام"13.



خاتمة:

ما ألطف ما ورد في فضل قضاء الحاجات، وأخوف ما جاء في ردّ السائل والمحتاج إلى المساعدة، فلنسع قدر الإمكان لكي نكون من الصنف الأوّل، والّذين باركهم الله، ووصفهم بأنّهم أحبّ الناس إليه.

وليقف الواحد منّا مع نفسه وقفة تأمّل، بين القليل من الجهد والعظيم من الأجر، وليفكّر في الراحة الأبقى والأجر الأسمى، وبين الراحة الزائلة بزوال الدنيا، والمال الذاهب بذهاب العمر، فأيّ الأمرين نختار؟

77

النصيحة، فنُّها, أدبها


تمهيد:

الحوار ضرورة اجتماعيّة، ولا غنى عنه بين الناس، إذ بالحوار يتفاهمون على الأمور المشتركة التي تعنيهم.

ولكنّ للحوار آداباً وفنًّا، ويتفاوت فنّ الحوار بين شخصٍ وآخر، لذا ترى بعض الناس متميّزين بقدرة كبيرة على التحاور والإقناع، وآخرين يتلعثمون في تبيان مقاصدهم، وقد يكون ذو الفكر الخاطئ بليغاً، وذو الفكرة الصحيحة ضعيف البيان.

ويتّخذ الحوار بين أفراد المجتمع أشكالاً متعدّدة، فمنه العلميّ، ومنه التعليميّ، إضافة إلى أنواع أخرى من الحوار للتفاهم والتعايش بين الأفراد.

وسنسلّط الضوء في هذا الدرس على نوع من أنواع الحوار وهو النصيحة، مشيرين إلى آدابها وأساليبها، التي وردت في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء، سائلين الله تعالى التوفيق لما فيه رضاه، إنّه سميع مجيب.


للمستنصح حقّ!

لم تمرّ الشريعة على النصيحة مرور الكرام، بل أعارتها اهتماماً خاصّاً، فالتناصح إن لم يكن بالطريقة المناسبة، فقد يتحوّل لعداوات

79

أو تصارع بين المتناصحين، لذا أورد الإمام زين العابدين عليه السلام له فقرة كاملة، في رسالته رسالة الحقوق، حيث قال عليه السلام:

"حقّ المستنصح أن تؤدّي إليه النصيحة، وليكن مذهبك الرحمة له والرفق به، وحقّ الناصح أن تليّن له جناحك، وتصغي إليه بسمعك، فإن أتى الصواب حمدت الله عزّ وجلّ، وإن لم يوافق رحمته، ولم تتّهمه وعلمت أنّه أخطأ، ولم تؤاخذه بذلك، إلّا أن يكون مستحقًّا للتهمة، فلا تعبأ بشيءٍ من أمره على حال"14.

وسنتعرّض هاهنا لبعض الفقرات شرحاً وتفصيلاً:

1- أدِّ النصيحة

وهو ما أشار إليه عليه السلام بقوله: "حقّ المستنصح أن تؤدّي إليه النصيحة"، فالمراد به من طلب منك النصيحة، فأوّل الحقوق له عليك أن تنصحه بما لديك من خبرة تعلّمتها في الحياة، لا أن تحجب علمك المكتسب عنه، فالعلم ليس حكراً على حامله، وقد جاء في الرواية عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: "زكاة العلم أن تعلمه عباد الله"15.

2– إرفق به

فلا تكن عليه فظًّا غليظاً، معيباً عليه قلّة إدراكه ولو كان كذلك، فليس من المعيب أن لا يعلم المرء، بل المعيب أن يبقى على الجهل، والمستنصح سلك طريقاً ندبه إليه العقل في استشارة ذوي العقول، واستنصاح أولي التجارب، فلا ينبغي الإساءة له من خلال الغلظة

80

والتعنيف، يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾16.

هذا فيما يتعلّق بحقّ المستنصح على الناصح، وأمّا حقّ الناصح على من يؤدّي إليه النصيحة، فيشير إليه الإمام عليه السلام وهو:

1– الاستماع له:

وهو ما أشار إليه عليه السلام بقوله: "وحقّ الناصح أن تلين له جناحك، وتصغي إليه بسمعك".

فأمّا لين الجناح فهو من باب التواضع لمن هو أعلم منك، وأعقل، وأمّا السماع فهو من باب التأدّب في الحديث، فمن الأدب عدم المقاطعة، والإنصات لمن يتحدّث إليك.

وقد جاء في الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: "إسمعوا النصيحة ممّن أهداها إليكم، واعقلوها على أنفسكم"17.

2– الطاعة:

هذا إذا كان في رأيه صلاحاً، وتوافقاً مع الشريعة والعقل، وهذا ما أشار إليه الإمام عليه السلام بقوله: "فإن أتى الصواب حمدت الله عزّ وجلّ، وإن لم يوافق رحمته، ولم تتّهمه وعلمت أنّه أخطأ، ولم تؤاخذه بذلك إلّا أن يكون مستحقّاً للتهمة، فلا تعبأ بشيءٍ من أمره على حال".

وأمّا لزوم طاعته فيما لو أسدى لك النصح الحسن الذي فيه خير الآخرة، فلأنّه يحمل إليك خيرك، بل ما هو أبقى لك، و﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾18.

81

وقد جاء في الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: "من أمرك بإصلاح نفسك، فهو أحقُّ من تطيعه"19.

بل إنّ من التوفيقات الإلهيّة للإنسان المؤمن، أن يكسر نفسه التي تتأبّى غالباً سماع النصيحة، أن يستمع ويطيع الناصح، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام فيما روي عنه: "طوبى لمن أطاع ناصحاً يهديه، وتجنَّب غاوياً يُرديه"20.

وفي رواية أخرى عنه عليه السلام: "من أكبر التوفيق الأخذ بالنصيحة"21.

نعم طوبى لهم، لأنّ في استماع النصيحة كسراً لكبرياء النفس وعنفوانها, وينبغي على مستمع النصيحة تحمّل المرارة التي قد تتضمّنها، وأن لا يؤدّي ذلك للإنزعاج الشخصيّ من الناصح، الذي لا يستهدف أشخاصنا، بل تقويم أعمالنا أو دلّنا على ما فيه الصلاح لنا، فعلى المستمع الإنصياع أوّلاً وآخراً لقول الحقّ، على صعوبة تحمّله، وقد جاء في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام: "إتّبع من يُبكيك وهو لك ناصح،ولا تتَّبع من يُضحِكك وهو لك غاشّ"22.

لأنّ بعد المرارة النفسيّة التي يتحمّلها المرء، حلاوة الوصول للمرام،كما جاء في الرواية عن الإمام عليّ عليه السلام: "مرارة النصح أنفع من حلاوة الغشّ"23.

82

أحبب ناصحك

يتذمّر البعض من الأشخاص الذين يتوجّهون إليهم بالنصيحة، والأولى أن يقدّر هؤلاء الناس الذين يبذلون لنا كلّ الخير ممّا علمتهم إيّاه الحياة، أو اكتسبوه في عمرهم المليء بالتجارب، فهم أفضل الناس بالنسبة لنا، وهم من يدلّنا على الصلاح بدون منّة أو مقابل، ووصيّة أهل البيت عليهم السلام لنا أن نحبّ هؤلاء الناس، فقد جاء في الرواية عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: "ليكن أحبَّ الناس إليك المشفق الناصح"24.


ناصح لا يستمع إليه

وهو الذي يشكونا يوم القيامة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾25.

إنه كتاب الله تعالى، كتاب الهداية للبشر، والذي يصفه أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: "إتّعظوا بمواعظ الله، واقبلوا نصيحة الله... واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغشّ... واستنصحوه على أنفسكم، واتّهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم"26.

فهل أنّ كتاب الله تعالى هو المستنصح لنا دوماً، وهل نقيم له في تقييم أمورنا وزناً، هذا ما نسعى لأن نكون عليه، لأنّ الناصح في حياتنا العادية قد يغشّ، وقد يموّه، وقد يضلّل، وقد يدلّنا خطأ على غير طريق الصلاح، أمّا القرآن فلا؛ لأنّه الكتاب الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ

83

وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾27.

84

هوامش

1- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 1 ص 700.
2- م. ن. -ج 1 ص 700.
3- م. ن. -ج 1 ص 700.
4- م. ن. -ج 1 ص 701.
5- م. ن. -ج 1 ص 700.
6- م. ن. -ج 1 ص 701.
7- م. ن. -ج 1 ص 701
8- م. ن. -ج 1 ص 700
9- م. ن. -ج 1 ص 702.
10- م. ن. -ج 1 ص 702.
11- م. ن. -ج 1 ص 702.
12- م. ن. -ج 1 ص 703.
13- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 1 ص 703.
14- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3279.
15- الكافي- الكليني - ج1، ص41.
16- آل عمران: 159.
17- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3281.
18- الرحمن: 60.
19- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3280.
20- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3281.
21- م. ن. -ج 4 ص 3281.
22- م. ن. -ج 4 ص 3281.
23- م. ن. -ج 4 ص 3281.
24- م. ن. -ج 4 ص 3281.
25- الفرقان: 30.
26- ميزان الحكمة - الري شهري - ج 4 ص 3281.
27- فصلت: 42.


يتبع

الرد مع إقتباس