منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > الحوار الإسلامي > منتدى الفقه
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 25-03-2017, 05:21 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

الوجيز في علوم القران

الدرس الأول: ظاهرة الوحي

v الوحي في اللغة


الذي يستفاد من تتبع الاستعمالات وأقوال أهل اللّغة أن للوحي معنى واحداً وهو الخطاب الخفي. والخفاء يكون على إنحاء متعددة، فتارة يكون خفياً في نفسه يسره المتكلم إلى المخاطب، وأخرى يكون خفاؤيه من جهة كونه يعبر عنه بالإشارات والإيماءات التي تخفى على غير المقصود بالخطاب، أو يخفى مدلولها عنه.

v الوحي في القرآن الكريم

ليس هناك ثمة اصطلاح خاص للوحي في القران الكريم، وما ورد فيه استعمل بمعناه اللغوي

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ...﴾16.

وقال: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ﴾17.

فالوحي هنا بلا شك هو الوحي الرسالي النازل على الأنبياء، لكن ورد في القران الكريم استعماله في غير الرسالي أيضاً.

قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾18.
﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا...﴾19.

8

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ..﴾20.
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ...﴾21.
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي...﴾22.
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ..﴾23.
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾24.
لكن لكثرة استعماله في خصوص الوحي الرسالي صار ينصرف إليه عند الإطلاق.


v أقسام الوحي

ينقسم الوحي بالقسمة الثنائية إلى الرسالي وغيره.

1- الوحي الرسالي:

هو وسيلة الاتصال بين الباري عزّ وجلّ وبين سفرائه إلى خلقه، فعن طريقه يتم تلقي المعارف والأحكام وغير ذلك من شؤون الرسالة.

وهذا الوحي الرسالي النازل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله كان يأتي لأغراض عدّة ومضامين شتّى.

1- فمنها: الذكر الحكيم والقران الكريم الذي هو نص كلام اللّه سبحانه وتعالى المنزل على رسوله بهذا الاسم، وهو المتصف بالإعجاز، والوحي النازل به قد يختص باسم الوحي القرآني.

2- ومنها: تأويل وتفسير كلام اللّه تعالى الوارد في القرآن الكريم.

3- ومنها: ما يطلق عليه اصطلاحاً اسم الأحاديث القدسية التي لا تدخل في الوحي القرآني.

4- ومنها: تفاصيل الشريعة وأحكامها ومعارفها وما يتعلق بها.

5- ومنها: ما يرتبط بشؤون الإمامة والتدبير وشؤون الحكم مما يحتاجه الرسول في مهمته القيادية.

9

6- ومنها: ما يرتبط بأخبار العالم والمغيبات والحوادث السابقة واللاحقة، وهذا أيضاً يدخل في دائرة علوم الرسول صلى الله عليه وآله التي قد تقتضيها رسالته وقيادته الاصلاحية على مستوى عمر الدنيا.

× أساليب الوحي الرسالي

والوحي الرسالي بشكل عام له أساليب متعدّدة ورد ذكرها في القران الكريم والسنّة النبوية الشريفة المنقولة لنا عن طريق الرواة الثقاة، أو الواصلة إلينا عبر أئمة الهدى من أهل بيت النبوة ومن هذه الأساليب ما يلي:

الأول: التكليم المباشر دون توسط الملائكة

وهذا يتم حال اليقظة، كما حصل لادم عليه السلام : ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾25 .
و إبراهيم عليه السلام :﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا..﴾26.
وموسى عليه السلام : ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا...﴾27.
﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ 28.
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴾ 29.

الثاني: الايحاء بواسطة الملك

وهذا الاسلوب له شواهد عديدة جداً، ولعله الاسلوب الأكثر شيوعاً والأغلب وقوعاً.
قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴾30.
﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ...﴾31.
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ...﴾32.

الثالث: الرؤيا في المنام.
فإن "رؤيا الأنبياء وحي" 33 كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وورد عن عبيد بن عمير مقطوعاً 34.

10

ولهذا الاسلوب من الوحي في القران الكريم شواهد عدةّ منها:

قوله تعالى في قصة إبراهيم: "قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين فلما أسلما وتلّه للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين..."35.

فقول إسماعيل عليه السلام :

﴿يا أبت افعل ما تؤمر﴾ يكشف لنا أن رؤياه تلك كانت وحياً وأمراً إلهياً بُلّغ إياه عن طريق الرؤيا، وما كان إبراهيم ليقدم على ذبح ولده لمجرد رؤيا لو لم تكن تلك الرؤيا وحياً وأمراً إلهياً لازماً بالنسبة إليه.

الرابع: الإلهام.
وقد يعبر عنه بالالقاء في الروع، وهو مغاير لما يصطلح عليه الناس من الالهام. فقد يعبّرون بأن فلاناً ملهم، ويقولون: أُلهمتُ القيام بالأمر الفلاني إذا وجد الشخص في نفسه الدافع نحو ذلك، فهو هنا يجد أن القرار والتصميم كان بيده وأن الفكرة وليدة نفسه، وقد لا يحصل له اليقين بالنتيجة. وهذا على خلاف الوحي الإلهامي الذي لا يغاير بقية أنحاء الوحي من حيث النتيجة ومن حيث اليقين والاطمئنان بمصدر الالهام، وإن غايرها من حيث الاسلوب والشكل.

وقد صرحت النصوص بأن الإلقاء في الروع كان أحد أساليب الوحي الرسالي، منها ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله أنه قال: " ألا إن الروح الأمين نفث في روعي إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب..."36.

ويمكن إدخال الإلهام و النفث في الروع في القسم الثاني الذي هو الايحاء بواسطة ملك. فإن ايحاء الملك يكون على أنحاء: فتارة يكون بسماع الصوت ومشاهدة الصورة، وأخرى بسماعه من دون مشاهدة، وثالثة بالإلقاء في الروع دون توسط صوت، فتصتبح أساليب الوحي ثلاثة لا أربعة، وقد جُمِعَتْ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾37.

11

فالوحي هو الإلهام ومن وراء حجاب هو التكليم المباشر، وإنما سماه من وراء حجاب لأنه بواسطة صوت دون رؤية المصدر، وإرسال الرسول هو الإيحاء من خلال.

وربما كان تخصيص النحو الأول باسم الوحي هنا لأنه أشد خفاءً من الثاني فهو بالنسبة إليه مختص باسم الوحي.

فملاحظة الخفاء أمر نسبيّ قد يلاحظ بالنسبة لغير النبيّ، وقد يلاحظ بالنسبة لبعض حواس النبي دون بعض.


2- الوحي غير الرسالي:

الأساليب الثلاثة من الوحي لا تختص بالأنبياء، ولا بوحي النبوة، بل هي تجري مع غير الأنبياء وفي الأغراض الأخرى غير الرسالية، كما هو الحال بالنسبة لأم موسى، ومريم بنت عمران، وامرأة إبراهيم، في صريح القرآن الكريم:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ّ...﴾ 38.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ﴾39.
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ...﴾ 40.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة..﴾41.
﴿ووَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى... وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ...َالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ...﴾42.

ومن الواضح أن هذه الأغراض لم تكن رسالية ولم يلزم من نزول الملائكة فيها نبوة المخاطب والمنزل عليهم، وقد عبّر القران الكريم في بعض الموارد عن الأوامر التكوينية أو التدبيرية بالوحي أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ 43، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾44.
وورد أيضاً التعبير به عن إيداع الأمور الفطرية والغريزية لدى الحيوانات وإلهامها

12

ما ينبغي لها، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾45.

كما أن ابلاغ الأوامر التدبيرية إلى الملائكة وحي أيضاً في نص القران الكريم، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ...﴾46.

وعليه فالوحي لا يلازم النبوة ولا يختص بالأمور الرسالية بل يتعدى إلى كثير من الأغراض والموارد الأخرى.


v رسول اللّه صلى الله عليه وآله والوحي

الذي يتحصل من مجموع النصوص الواردة في كيفية نزول الوحي عليه، أنه صلى الله عليه وآله كان يوحى إليه بكل أساليب الوحي المتقدّمة ولمختلف الأغراض.


1- الرؤيا في المنام:
ففي بعض النصوص أنه صلى الله عليه وآله كان يوحى إليه عن طريق الرؤيا في المنام في الفترة الأولى من نبوته قبل نزول جبرئيل عليه السلام ، فعن محمد بن علي بن النعمان الأحول قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرسول والنبي والمحدَّث، قال عليه السلام : "الرسول الذي يأتيه جبرئيل قُبُلاً فيراه ويكلّمه، فهذا الرسول، وأما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيمعليه السلام ونحو ما كان رأى رسول اللّه صلى الله عليه وآله من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل عليه السلام من عند اللّه بالرسالة، وكان محمد صلى الله عليه وآله حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند اللّه يجيئه بها جبرئيل ويكلمه بها قبلاً، ومن الأنبياء من جمع له النبوة ويرى في منامه ويأتيه الروح ويكلّمه ويحدّثه، من غير أن يكون يرى في اليقظة. وأما المحدَّث فهو الذي يحدَّث فيسمع، ولا يعاين ولا يرى في منامه "47.

والرؤيا لم تنقطع عنه صلى الله عليه وآله بعد نزول جبرئيل على قلبه وبعد أن نزل عليه الوحي المباشر كما سيأتي فإن القران الكريم يشير إلى حصول ذلك فيما بعد أيضاً.

قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ...﴾48.

13

وقال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ﴾49.
وقال: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ...﴾50.

2- الايحاء بواسطة الملك:
وأما المرحلة الثانية فكانت مرحلة نزول الوحي بواسطة الروح الأمين جبرئيل على قلب الرسول صلى الله عليه وآله، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِين * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾51.
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ...﴾52.

وقد وردت بعض الروايات بأن جبرئيل عليه السلام كان ينزل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله بصورة إنسان جميل الطلعة فيحدثه ويقرأ عليه القران الكريم، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله يأنس به، وقد راه رسول اللّه صلى الله عليه وآله على صورته الحقيقية الملائكية مرتين تحدثت عنهما سورة النجم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾53.

فالمرة الأولى رآه صلى الله عليه وآله في بدء الوحي ﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ فسدّ ما بين المشرق والمغرب.
﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ فيما روي أنه صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل عليه السلام أن يريه نفسه مرة أخرى على صورته التي خلقه اللّه عليها، فأراه صورته فسدّ الأفق أيضاً54.

3- التكليم المباشر:
روي أن الإمام الصادق عليه السلام سئل عن الغشية التي كانت تأخذ النبي صلى الله عليه وآله أكانت عند هبوط جبرئيل؟
فقال: " لا، إن جبرئيل كان إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله لم يدخل عليه حتى يستأذنه وإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد، وإنما ذاك عند مخاطبة اللّه عزّ وجلّ إياه بغير ترجمان وواسطة "55.

14

v كيف يعلم النبي صلى الله عليه وآله أن ما نزل عليه هو وحي

ويحسن الإشارة هنا إلى أن البعض مما يروى في كيفيّة نزول الوحي عليه صلى الله عليه وآله ومن حالة الهلع التي أصيب بها، ومن لجوئه إلى خديجة التي هدأت من روعه واكتشفت هي نبوّته قبل أن يعرف ذلك هو، أو عرضت أمره على ورقة بن نوفل أو غيره من الأحبار أو الرهبان فأخبروها بأنه نبي، كل ذلك مما لا يمكن القبول به، ولا يتصور النبي صلى الله عليه وآله شاكاً في نبوته ولا جاهلاً بالوضع الذي هو عليه حتى يحتاج إلى من يطمئنه من أمثال هؤلاء، هذا بالإضافة إلى تهافت تلك النصوص وتضاربها، وضعف أسانيدها وإن رويت في كتب أطلق عليها اسم الصحاح.

بل الثابت أنه صلى الله عليه وآله كان منذ اللحظة الأولى على بيّنة من أمره، وهل يختار اللّه لرسالته وثقلها إلاّ من صنع على عينه وهيّ‏ء لحملها؟!

وقد كانت الكرامات الكثيرة التي ظهرت له ورويت عنه تشكل إرهاصات للنبوة، بحيث أنه لما نزل عليه الروح الأمين كان على بينة من أمره وعلى بصيرة ثابتة ويقين مما جاءه، وإلى هذا تشير عدة روايات وردت عن أئمة أهل البيت عليهم السلام .

فعن زرارة أنه سأل الإمام الصادق عليه السلام : "كيف لم يخف رسول اللّه صلى الله عليه وآله فيما يأتيه من قبل اللّه أن يكون مما ينزغ به الشيطان؟ فقال: إن اللّه إذا اتخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار فكان الذي يأتيه من قبل اللّه مثل الذي يراه بعينه "56.
ومثل هذا الكلام يجري في اسطورة الغرانيق وأمثالها مما لا نشك ببطلانه واستحالته ونعتقد أنه مما دسّ في الأخبار لغرض التشكيك والطعن والتشويه، شأنه شأن الكثير من الإسرائيليات_57

15

أسئلة حول الدرس

1- ما هو معنى الوحي اللغوي والرسالي؟
2- هل يختلف مفهوم الوحي ويتعدد بحسب اختلاف موارد استعماله في القرآن الكريم؟
3- ضع (صح) أو (خطأ) بعد ما يلي:
أ- كل وحي نزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فهو قرآن.
ب- ذكر الوحي في القرآن الكريم بمعانٍ عديدة كالتكليم والإلهام.
ج- الإيحاء بواسطة الملك هو الأسلوب الأكثر شيوعاً والأكثر وقوعاً.
د- لا يختص الوحي الإلهي بالأمور الرسالية ولا يلازم النبوة
4- عدد أساليب الوحي الرسالي وتحدث باختصار عن كل واحد منها.
5- أعطِ مثالين من القرآن الكريم على الوحي غير الرسالي

هوامش

1- الأسراء:9
2- إبراهيم:1
3- ال عمران:138.
4- المجلسي، بحار الأنوار، 6- 89.
5- الحديث متواتر رواه خمسة وثلاثون صحابياً راجع مصادره في خلاصة عبقات الأنوار الجزء الأول والثاني.
6- الشريف الرضي: نهج البلاغة الخطبة 891. بحبوحته: وسطه، وأثافيّ: جمع أُثفيّة، وهي ما يوضع عليه القِدْر، فالمراد أنه قواعد الإسلام وبنيانه. غيطانه: المستقر من الأرض. الماتحون: الذين ينزحون الماء من البئر أو العين. لا يغيضها: لا ينضبها، غيض الماء: جفّ ونضب. معقلاً: ملجأ، ذروته: أعاليه. فلَجاً: الفلَج هو الظَفَر والغلبة، استلأم: لبس اللأمة أي الدرع، والجُنّة: الوقاية، فهو وقاء لمن أراد أن يدّرع ليقي نفسه الأخطار.
7- سورة محمد:24.
8- ابن كثير، فضائل القران، ص15.
9- ري شهري، ميزان الحكمة 8, 8د.
10- الكليني، الكافي،2-607.
11- الحر العاملي، وسائل الشيعة 189- 6 ط ال البيت
12- الكليني، الكافي، 36- 1.
13- الكليني، الكافي، 60-9-2.
14- الفرقان، الاية/1.
15- الكليني، الكافي، 630- 2.
16- النساء:163.
17- يونس:2.
18- النحل:68.
19- فصلت:12.
20- القصص:7.
21- الأنفال:12.
22- المائدة:111.
23- الأنعام:121.
24- مريم:11.
25- الأعراف:22.
26- الصافات: الاية/104.
27- النساء:164.
28- الأعراف:143.
29- مريم: 52.
30- ال عمران: 39.
31- البقرة:97.
32- الشعراء: 193.
33- راجع لسان العرب لابن منظور الأفريقي مادة وحى، وغيره من كتب اللّغة.
34- المصدر السابق.
35- الصافات: 105- 102.
36- المجلسي، بحار الأنوار: 64- 11.
37- الشورى: 51.
38- القصص: 7.
39- ال عمران: 42.
40- مريم: 17.
41- ال عمران: 45.
42- هود: 73- 69.
43- فصلت:12.
44- الزلزلة:5 - 4.
45- النحل: 68.
46- الأنفال: 12.
47- البخاري، الجامع الصحيح، الباب الخامس من أبواب الوضوء، ج44- 1.
48- الإسراء: 60.
49- الفتح: 27.
50- الأنفال: 43.
51- الشعراء: 193.
52- البقرة: 97.
53- النجم: 14- 4.
54- المجلسي، بحار الأنوار، 260- 18 الصدوق، كمال الدين 58 محمد هادي معرفة، التمهيد، 64- 1.
55- معرفة، التمهيد في علوم القران، 76- 1.
56- معرفة، التمهيد في علوم القران، 76- 1.
57- للمزيد راجع، جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم، 380- 287- 2، ط. بيروت





يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 25-03-2017, 05:21 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثاني : نزول القرآن


v ما نزل من القرآن

القران الكريم نزل من عند اللّه بألفاظه نفسها التي قرأها الرسول صلى الله عليه وآله على الناس، وهذا يجعل لتلك الألفاظ قدسية، يتعبّد بتلاوتها، ولا يجوز تبديلها بغيرها، ولا التصرف بها، حتى بالمرادفات. وهذا هو الرأي الصحيح وهو الذي عليه عامة أهل التحقيق. وبه يفرّق بين القران الكريم والحديث القدسي الذي نزل معناه دون لفظه، وعبر عنه الرسول صلى الله عليه وآله بلسانه ولغته، ولأجل ذلك كان اللفظ القراني يتصف بالاعجاز البلاغي، ولو كان من صياغة النبي صلى الله عليه وآله لما اختلف عن الحديث القدسي صياغة، ومن وجهة نظر بلاغية على الأقل، ولما اختلف عن مطلق الحديث الذي تحدث به الرسول صلى الله عليه وآله ، مع أن كلاً منهما له من الخصائص والأسلوب ما يميزه عن الاخر.

ويشهد على كون القران نازلاً بلفظه من عند اللّه تعالى، توجيه الخطاب في كثير من ايات القران إلى النبي صلى الله عليه وآله بعبارة ﴿قل﴾ حيث تكررت في أكثر من ثلاثمائة مورد، مما يدل على عدم تدخل النبي صلى الله عليه وآله في صياغة الوحي، فهو مخاطب به لا متكلم، حاكٍ لما يسمعه لا معبّر.

﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ*فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه﴾ 1.وعليه فلا وجه لما ذكره الزركشي نقلاً عن السمرقندي من أن الأقوال في المنزل من القران ثلاثة:

1- أنه اللفظ والمعنى، وأن جبرئيل حفظ القران من اللوح المحفوظ ونزل به.

2- أنه نزل بالمعاني خاصة على الرسول صلى الله عليه وآله ، فعبر عنهاالرسول صلى الله عليه وآله بلغة العرب.

17

3- أن المعاني ألقيت على جبرئيل، فألقاها إلى الرسول صلى الله عليه وآله بلغة العرب بتعبيره، وأن أهل السماء يقرؤنه بالعربية 2.
وقد ظهر أن المتعيّن هو الأوّل، وسيأتي في بحث الإعجاز ما يدعم هذه النتيجة ويحققها.


v أول ما نزل من القرآن

ورد في الكثير من النصوص المروية عن أهل البيت عليهم السلام وغيرهم أن أول ما نزل من القران الكريم هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ 3.

وقيل: أول ما نزل الفاتحة اعتماداً على أنه صلى الله عليه وآله بعد نزول الوحي عليه صلى في اليوم التالي هو وخديجة وعلي، والصلاة إنما تكون بفاتحة الكتاب، فلا بد أن تكون الفاتحة هي أول ما نزل من القران الكريم.

لكن هذا الاستدلال غير تام، لإمكان نزول الفاتحة بعد ايات سورة العلق الخمسة، وإمكان أن تكون صلاتهم انذاك بلا فاتحة الكتاب، وقبل أن تشرّع الصلاة بها.

وتسميتها بفاتحة الكتاب يمكن أن يوحي بأنها أول سورة كاملة نزلت كما يمكن أن يكون ناشئاً من جعلها في مفتتح المصحف بأمر من الرسول صلى الله عليه وآله وإن تأخر نزولها.


v متى بدأ نزول القرآن

لا خلاف في أن بدء نزول القران كان في شهر رمضان المبارك والايات الكريمة التي صرحت بنزول القران فيه متعدّدة:
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ 4.
وقال: ﴿إِِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ 5.
وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ 6.

18

وقد ذهب البعض إلى تحديده في السابع عشر منه وقال اخرون في الثامن عشر وقال قوم في الرابع والعشرين، وكلها أقوال لا حجة واضحة عليها.

فقد استدل أصحاب القول الأول بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ َ﴾ 7.

بدعوى أن نزول القران كان يوم التقى الجمعان وهو يوم بدر السابع عشر من شهر رمضان. إلاّ أن هذا الاستدلال فيه أكثر من هفوة، فإن ظاهر الاية أن النازل من عند اللّه كان في نفس اليوم الذي وقعت فيه معركة بدر، ومن المسلم به أن بين بدء نزول القران الكريم ومعركة بدر نحو خمسة عشر سنة.

كما يظهر أيضاً من سياق الايات السابقة واللاحقة أن المراد بما أنزله اللّه تعالى هو الملائكة والايات التي تثبّت قلوب المسلمين المجاهدين فلا دليل على أن النازل هو القران، وتسمية ذلك اليوم بيوم الفرقان لأنه كان يوم الفصل ويوم النصر.

فالصحيح أن نزول القران بدء في شهر رمضان في ليلة القدر.


v النزول الدفعي والتدريجي

قد يظهر من الايات المتقدمة التي تتحدث عن نزول القران في شهر رمضان أن نزول القران الكريم كان دفعياً وأنه نزل بتمامه في شهر رمضان. وهذا يخالف ما هو ثابت بالتواتر من أن القران نزل نجوماً متفرقة على رسول اللّه صلى الله عليه وآله في الفترة ما بين بعثته ووفاته، وهو أمر يصرح به القران الكريم نفسه في ايات أخرى حيث يقول: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً َ﴾ 8.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًاَ﴾ 9.

ولحل هذا التنافي الظاهري هناك أقوال:

1- أن القران بدأ نزوله في شهر رمضان المبارك ثم توالى النزول بعد ذلك في

19

فترات مختلفة، فإنه يصح أن يقال نزل الغيث في الوقت الفلاني مع أنه ينزل تدريجياً، لأن بدء نزوله كان في ذلك الوقت. ومن جهة أخرى فإن القران اسم جنس يطلق على الكل وعلى البعض، وكل اية منه فهي قران، فلا نحتاج إلى التجوّز في إطلاق القران على الايات الأولى النازلة في ليلة القدر. وقد تؤرخ الحوادث الواقعة في فترة ممتدة بأوّل حدوثها وبتاريخ شروعها، كالمعارك الطويلة الأمد فيقال أن الحرب الفلانية وقعت في اليوم الفلاني مع أنها تستمر بعد ذلك عدة سنوات.

2- أن القران الكريم له نزولان، أحدهما دفعيّ والثاني تدريجي، واستشهد لهذا القول بأن ظاهر اختلاف التعبير في القران الكريم بين ﴿أنزلناه﴾ ، و ﴿نزّلناه﴾ ذلك، فإن الانزالظاهر في الدفعي، والتنزيل ظاهر في التعدد والتدريجي.

وايات نزول القران في شهر رمضان كلّها عبّرت ب ﴿أنزلناه﴾ و﴿أُنزل﴾ .

ثم اختلفوا في النزول الدفعي على قلوين:
الأول: أنه كان إلى البيت المعمور أو السماء الدنيا، وقد ذهب إليه الشيخ الصدوق رضوان الله عليه 10 وروي في مضمونه رواية عن الإمام الصادقعليه السلام 11 وروايات أخرى عامية.
ولكن الشيخ المفيد رحمه الله لم يرتض هذا القول ووصف الرواية بأنها شاذة لا توجب علماً ولا عملاً 12.
الثاني: أن النزول الدفعي كان على قلب النبي صلى الله عليه وآله ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ َ ﴾ 13.
وقد تم تصوير هذا القول تارة بأن القران نزل على الرسول صلى الله عليه وآله دفعة واحدة في شهر رمضان لكنه لم يؤذن له بتبليغه إلا بعد نزول جبرئيل به بعد ذلك تدريجياً. وقد أولوا الايات التالية بذلك.
قوله تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ 14.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ً ﴾ 15.

20

وقد فسرت الاية الأخيرة بأن اللّه سبحانه نهى النبي صلى الله عليه وآله عن قراءة القران قبل أن يؤذن له ويوحى إليه، وهو دليل على أنه كان معروفاً عنده، وليس ذلك إلا من خلال النزول الدفعي.

بينما صور اخرون هذا القول بشكل اخر، فذهبوا إلى أنّ النزول الدفعي كان نزولاً لمعانيه الكلية دون التفصيل الذي عليه القران في النزول التدريجي. فلا يرد عليه ما يرد على التصوير الأول من كون القران الكريم في الكثير من اياته نزل في حوادث خارجية لم تكن حادثة عند النزول الدفعي فكيف تحكيها وتتحدث عنها؟! ففي هذا التصوير لا يرد الاشكال لأن النازل دفعة هو حقائق القران الكلية.

وقد تبنى هذا الرأي الأخير السيد محمد حسين الطباطبائي 16.

والحقيقة أن التنافي بين الايات التي وردت في نزول القران في شهر رمضان وبين النزول التدريجي هذا التنافي غير موجود كما تقدم في القول الأول.

كما أن التفريق بين الإنزال والتنزيل لا واقع له، فإن القران نفسه استعمل الإنزال والتنزيل دون تفريق.

فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ 17.
وقال: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًاً﴾ 18.
وقال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ 19.

وقد استعمل القران الكريم لفظ التنزيل في النزول الدفعي في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ 20.

فلو كان التنزيل ظاهراً في التدريجي لكان الأولى هنا استعمال لفظ " أُنزِل" بدلاً من " نُزِّل" واللّه العالم.

وتعدد النزول في كلا التصويرين يتوقف على الدليل النقلي، وما أورد من الأدلّة لو تم سنداً ودلالة لأمكن الاعتماد عليه لذا فلا يعدل عن الثابت من النزول التدريجي بالنص والتواتر إلا بدليل ثابت.

21

v بين البعثة ونزول القرآن

روي عن أهل البيت عليه السلام أن بعثة النبي صلى الله عليه وآله كانت في السابع والعشرين من رجب، وقد نقل المجلسي اتفاق الإمامية عليه 21، وروي عن غير الشيعة أيضاً 22.

ولكن الكثير من العامة لم يرتضوا هذا القول، فذهب بعضهم إلى أنه ولد في شهر ربيع الأول وبعث وقد تمت له أربعون سنة من العمر، فيلزم أن تكون بعثته فيه أيضاً، ولكن هذا القول ضعيف فإن بعثته صلى الله عليه وآله بعد أن تم له أربعون لا يستوجب هذا النحو من الدقة البعيدة عن النهج العرفي، ولعل ذلك مبنيّ على التسامح، ويكفي شاهداً على هذا التسامح ما ورد في تاريخ بعثته بطرق صحيحة أنها في السابع والعشرين من رجب.

وذهب اخرون منهم إلى أنه صلى الله عليه وآله بعث في شهر رمضان اعتماداً على أنه صلى الله عليه وآله إنما بعث بالقران وقد نزل القران أول ما نزل في شهر رمضان، فيلزم منه أن تكون البعثة في شهر رمضان أيضاً.

وهذا القول أيضاً ضعيف، لأن التلازم بين البعثة ونزول القران ليس عليه من دليل إلاّ ما رواه البخاري في كيفية بدء الوحي، وهذه الرواية ساقطة عن الاعتبار متناً وسنداً. فهي مروية عن عددٍ من الضعفاء والكذابين المشهورين بذلك من جهة، وتتضمن أموراً لا يمكن الالتزام بها لمخالفتها للأصول الاعتقادية، وقد قدمنا الإشارة إلى ذلك عند الكلام عن كيفية نزول الوحي على رسول اللّه صلى الله عليه وآله .

وعليه فلا تلازم بين البعثة ونزول القران، ومع انتقاء الملازمة لا يبقى هناك مانع من الالتزام بما ورد عن أهل بيت النبوة عليهم السلام من أنه صلى الله عليه وآله بعث نبياً في السابع والعشرين من شهر رجب، وأن القران نزل عليه في شهر رمضان، وفيما بينهما كان نبياً دون أن يكون معه قران. ويؤيده ما ورد في بعض النصوص من أن نزول القران الكريم كان في السنة الثالثة من البعثة الشريفة، وأن فترة النزول استمرت مدة عشرين سنة، عشر منها في مكة وعشر في المدينة 23 .

22

وسواء ثبت نزول القران في السنة الأولى للبعثة أو ثبت كون بدء نزوله في السنة الثالثة، فإن النتيجة عدم التلازم بين تاريخ البعثة ونزول الوحي عليه وبين تاريخ نزول القران.

23

أسئلة حول الدرس

1- ما هي الطريقة والأسلوب الذي كان يوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله به؟
2- في بعض الأحيان كان النبي صلى الله عليه وآله يجد في الوحي شدة وثقلاً، وفي أحيان أخرى كان الوحي هيناً عليه، ما هو السبب في ذلك؟
3- كيف نضمن أن ما يراه الأنبياء هو وحي رسالي وليس نزغ شيطان؟
4- ما هو الفرق بين القران والحديث القدسي؟
5- متى بدأ نزول القران وما هو أول ما نزل منه؟
6- هل نزل القران دفعة واحدة أم نزل تدريجياً وعلى مراحل؟ بيّن الرأي المختار في الكتاب؟

هوامش

1- القيامة:16-18.
2- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1-291 ط دار الفكر.
3- العلق:1-5.
4- القدر:1.
5- الدخان:3.
6- البقرة:185.
7- الأنفال:41.
8- الإسراء:106.
9- الفرقان:32.
10- الشيخ الصدوق، الاعتقادات، 82 وحكاه عنه المجلسي، بحار الأنوار:18-250.
11- الكليني، الكافي:2-629.
12- المفيد، تصحيح الاعتقاد: 123-125.
13- الشعراء:193- 195.
14- القيامة:16.
15- طه:114.
16- الطباطبائي، الميزان:16/2-18
17- البقرة:22.
18- الزخرف:11.
19- لقمان:34.
20- الفرقان:32.
21- المجلسي، بحار الأنوار:18-190.
22- راجع مصادره في الصحيح من سيرة النبي الأعظم للسيد جعفر مرتضى، 2-244، ط. بيروت.
23- راجع: الكليني، الكافي، 2-629 وتفسير العياشي، 1-80 وتفسير شبر، عند تفسير الاية 32 من سورة الفرقان ومستدرك الحاكم 2-610 والاتقان للسيوطي 1-146 وغيرها.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 25-03-2017, 05:22 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثالث : المكي والمدني
رافق نزول القران حياة رسول اللّه صلى الله عليه وآله الرساليّة، ونزلت اياته وسوره لتلبّي احتياجات المرحلة التي كانت تعيشها الرسالة، وتتناسب مع الظروف والتطورات التي رافقت الدعوة الإسلامية، وقد شكلت هجرة الرسول صلى الله عليه وآله إلى المدينة المنورة نقطة تحول رئيسية قسمت الحياة الرسالية للرسول صلى الله عليه وآله إلى مرحلتين متمايزتين، المرحلة المكية والمرحلة المدنية، مرحلة الدعوة التي لم تتجاوز الأفراد ومرحلة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي. وقد تبع ذلك تغيّر في طبيعة السور القرانية النازلة بعد الهجرة.
وقد عني الباحثون بدراسة المكي والمدني من السور، نظراً لما يترتب على ذلك من فوائد وثمرات يُستفاد منها في التفسير وفي استنباط الأحكام الشرعية. وسيأتي في بحث الناسخ والمنسوخ، أن معرفة الناسخ من المنسوخ يتوقف غالباً على معرفة زمان النزول، ضرورة كون الناسخ متأخراً نزولاً عن المنسوخ، وقد يُستفاد من معرفة المكي والمدني في محاكمة أسباب النزول التي قد يتلاعب بها لمصالح سياسية معينة.
وهناك معياران في تحديد معنى المكي والمدني:
الأول: زماني، حيث يطلق المكي على ما نزل قبل الهجرة إلى المدينة المنوّرة وهي المرحلة المكية، وأما المدني فيطلقونه على النازل بعد الهجرة ويدخل فيه ما نزل بمكة عام الفتح أو في حجة الوداع أو في غير مكة والمدينة أثناء الغزوات التي خاضها الرسول صلى الله عليه وآله لو ثبت نزول شي‏ء من القران أثناءها. وهذا الاصطلاح هو الأصح والأدق وهو الأشهر استعمالاً. وهو النافع في معرفة الناسخ من المنسوخ.
الثاني: مكاني، وهو يطلق المكي على النازل في مكة سواء كان قبل الهجرة أو بعدها، وما عداه فهو مدني، وعليه فيكون ما نزل في مكة عند الفتح وفي حجة الوداع مكيّاً رغم
24
كونه بعد الهجرة بل في اخر حياة الرسول صلى الله عليه وآله . ولعل الاختلاف الذي نلاحظه أحياناً في مكية السورة أو مدنيتها يرجع إلى الاختلاف في المعيار ويتبعه اختلاف في الاصطلاح
v كيف نميز بين المكي والمدني
هناك امور اعتبرت علامات تشير إلى زمن نزول الاية وهل أنها مكية أم مدنية ، ومن هذه العلامات:
فعلامات المكي هي:
1- كل ما نزل فيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فهو مكي. بناءً على أن طبيعة المرحلة المكية هي الخطاب العام لكل الناس.
إلاّ أن هذا العنصر أو هذه السمة لا تصلح أن تكون ضابطة تمييز بين المكي والمدني نظراً لورود اياتٍ ثبت مدنيّتها تخاطب الناس بالخطاب العام مثل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ 1.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ...﴾2.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...﴾ 3.
2- قول بأن ما نزل من القران فيه ذكر الأمم فإنما نزل بمكة.
وهذه الضابطة أيضاً غير دقيقة، لوجود قصص الأمم في سور مدنية قطعاً، ويكفي مثالاً على ذلك سورة البقرة التي تحدثت عن قصة موسى وبني إسرائيل مفصلاً، وقد استثناها بعضهم.
3- فمنها: أن الحروف المقطعة في أوائل السور من سمات السور المكية عدا سورتي البقرة وال عمران وفي سورة الرعد خلاف.
4- أن كل سورة فيها سجدة فهي مكية (طبعاً المراد الأعم من السجدات المستحبة والواجبة).
5- أن كل سورة فيها لفظ (كلاّ) فهي مكية.
25
وعلامات المدني:
1- ما فيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فهو مدني فقد تكون المجتمع الإيماني الذي بدأت تخاطبه الايات ب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ، في المدينة بعد الهجرة. لذلك ربما لا نجد فيما نصّ على أنه مكيّ خطاباً ب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ .
2- ما كان من الفرائض والسنن و تفاصيل السنن والحدود والأحكام.فإنما نزل بالمدينة.
3- كل سورة فيها ذكر للمنافقين فهي مدنية سوى العنكبوت، وقيل أن أولها إلى اخر الاية مدني أيضاً وما عداها فهو مكي، وفي هذه الايات ذكر الجهاد والمنافقين.
4- كل سورة فيها أذن بالجهاد أو ذكر له وبيان أحكامه فهي مدنية، أو خصوص الايات المتضمنة لذلك.
5- كل سورة فيها محاججة لأهل الكتاب فهي مدنية.
والحقيقة أن هذه السمات المميزة مبنية على ملاحظة السور والايات واستقرائها، وهي جميعها في موارد ثبت بالنقل مكية السورة أو مدنيتها. وعليه فلا يكون هناك ثمرة كبيرة في دراسة هذه المميزات.
وقد بالغ المفسرون أحياناً في تشخيص المكي والمدني، فعدّوا بعض الايات الواردة في السور المكية مدنياً، وبالعكس، اعتماداً على وجوه واعتبارات استحسانية لا يصح الاعتماد عليها.
عدد ما نزل في مكة وما نزل بالمدينة من السور:
عد الزركشي خمساً وثمانين سورة نزلت في مكة وتسعاً وعشرين نزلت بالمدينة، وذكر الاختلاف حول بعض السور مثل: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ فقيل أنها اخر ما نزل بمكة وقيل أنها مدنية.
ومثل: سورة الفاتحة، التي ذهب بعضهم إلى أنها أول سورة نزلت كاملة في مكة، وقيل نزلت بعد المدثر وقيل أنها نزلت بالمدينة، والأشهر أنها مكية، وربما قيل بتكرر نزولها.
26
v مصحف علي عليه السلام
لقد ذكر في نصوص عديدة أن مصحف أمير المؤمنين عليه السلام كان يمتاز بعدة أمور منها أنه رتّبه على ترتيب النزول فقدّم المتقدم نزولاً وأخّر المتأخر نزولاً. ولكن المصاحف التي دوّنت بعد ذلك وخاصة عندما تم توحيد رسم المصاحف زمان عثمان بن عفان لم تراعِ الترتيب بحسب النزول وإنما اعتمدت ترتيباً قريباً إلى حدٍّ مّا ما هو عليه المصحف المتداول اليوم.
ويمتاز مصحف علي عليه السلام بأنه دوّن فيه التأويل والتفسير كما أملاه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وأسباب نزول الايات، وبيّن فيه المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، بالإضافة إلى ما ذكر من إثبات أسماء أهل الحق وأهل الباطل والمنافقين في المناسبات التي نزلت الايات فيها.
وإلى هذا المعنى تشير النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في أنهعليه السلام جمع القران كما أنزل، أي كما أنزل ترتيباً وتأويلاً وتفسيراً.
وبقي هذا المصحف عند أمير المؤمنين عليه السلام وتوارثه الأئمة عليهم السلام مع بقية ودائع النبوة وفي بعض النصوص أنه محفوظ عند الإمام الحجة المنتظر عجل اللّه فرجه الشريف 4.
27
أسئلة حول الدرس
1- ما هو المعنى المقصود من تقسيم سور القران إلى مكي ومدني؟
2- قيل بأن ما نزل فيه " يا أيها الناس " فهو مكي، وما نزل فيه " يا أيها الذين امنوا " فهو مدني، كيف ترد على هذا القول؟
3- قيل بأن ما نزل من القران فيه ذكر الأمم فإنما نزل بمكة وما كان من الفرائض والسنن فإنما نزل المدينة. هل يمكن الاعتماد على هذه الضابطة أم لا؟ ولماذا؟
4- اذكر ستة من السمات التي اعتبروها علامات لتمييز المكي والمدني.
5- اذكر عدد السور النازلة في مكة والسور النازلة في المدينة؟
6- ما هي مميزات مصحف علي عليه السلام ؟
هوامش
1- البقرة: 21.
2- البقرة: 168.
3- النساء: 1.
4- الكليني، الكافي، 462- 2 والمجلسي، بحار الأنوار42-43,89
يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 25-03-2017, 05:23 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الرابع : جمع القران وتأليفه

v كتابة الوحي

لا ريب في أن النبي صلى الله عليه وآله حرص على تدوين الوحي، فاشتهر العشرات من أصحابه بأنهم من كتاب الوحي في حياة رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، وقد عدّ بعضهم ثلاثة وأربعين كاتباً ممن شاركوا في كتابة الوحي. وهذا يدل على شدة اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بأمر الكتابة والتدوين، نظراً لأهمية القران الكريم وضرورة الدقة في الحفاظ عليه بكل ما فيه من خصوصيات.



v متى جمع القرآن؟

النزول التدريجي للقران كان يفرض كتابة القران في صحف متفرقة ومقطّعة، ولا شك أنها لم تكن مجموعة ومؤلفة في كتاب له دفتان في بداية الأمر، فمتى جمعت وألّف بينها؟

يذهب الكثير من أهل السنّة إلى أن جَمْع القران الكريم كان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله .

بينما يرى أكثر الشيعة أن القران الكريم كان قد جمع في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وبرعايته وتوجيهه.



v معنى جمع القرآن الكريم

قبل الخوض في أدلة الفريقين ينبغي الإشارة إلى أن الجمع قد يستعمل بمعانٍ متعددة، وهذا من شأنه أن يوقع الباحث في الاشتباه مما يستوجب الدقة.

ومن تلك المعاني:

أولاً: الجمع بمعنى حفظ الجميع، أي الجمع في الصدر.

28

ثانياً: الجمع بمعنى التدوين، أي جمع السور مدوّنة في مكان واحد، فجمع القران معناه جمع سوره واياته كلها مدونة في صحف دون أن تكون مؤلفة في كتاب واحد مجلّدة بغلاف أو دفتين كما هو متعارف اليوم.

ثالثاً: الجمع بمعنى ترتيب الصحف وجمعها في كتاب واحد، وهذا المعنى هو المقصود من البحث.رابعاً: جمع القران بمعنى لمّ النسخ المدوّنة وجمعها من أيدي الناس كمقدمة لتوحيد القراءة فيها، وهو ما أمر به عثمان بن عفان في زمان خلافته.

× الجمع بالمعنى الثالث

توجد مجموعة من النصوص التي نقلت في كتب أهل السنّة تنص على أن القران قد جمع على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله (بالمعنى الثالث للجمع) وقرى‏ء عليه، وفيما يلي نماذج منها:

1- في البخاري أن من جمع القران على عهد النبي صلى الله عليه وآله أربعة، فعن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القران على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد 1.

2- عن الشعبي قال: جمع القران على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله ستة: أبيّ، وزيد، وأبو الدرداء وسعد بن عبيد، وأبو زيد، ومجمع بن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثة، قال: ولم يجمعه أحد من الخلفاء أصحاب محمد غير عثمان 2.

3- وعن محمد بن إسحاق في الفهرست أن الجُمَّاع للقران على عهد النبي صلى الله عليه وآله هم: علي بن أبي طالب عليه السلام وسعد بن عبيد بن معاوية، وزيد بن ثابت 3.

4- وروى الحاكم عن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله نؤلف القران من الرقاع 4.

29

هناك روايات أخرى تنص على أسماء أخرى ممن جمعوا القران على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وقد أحصى بعض المحققين أربعة وعشرين اسماً من مجموع الروايات، وأضاف عليهم غيرهم ممن لم يذكر بشكل قاطع.

× هل المقصود من الروايات المعنى الأول؟

وقد حاول مصنفو أهل السنّة التوفيق بين هذه الروايات وبين ما ورد عندهم من أن أوّل من جمع القران الكريم في مصحف هو أبو بكر، ففسروا الجمع في هذه الروايات بأنه الجمع فيالصدور وحفظ القران كاملاً، هذا أمر لم يرتضه محققو الشيعة الإماميّة لعدة أسباب، منها يرجع إلى ظاهر روايات الحفظ في عهد النبيصلى الله عليه وآله ، وهي:

الأول: أن ظاهر الجمع هو الحصول على الجميع مدوّناً لأنه تقريب ما كان مفرقاً. وأما الحفظ في الصدور كاملاً فهو خلاف الظاهر فلا يذهب إليه إلاّ بقرينة، وهي غير موجودة.

والثاني: أنه لا يعقل أن يكون عدد من حفظ تمام القران محصوراً في أربعة أو ستة أو عشرة أشخاص وذلك لأن تعليم وتحفيظ القران كان موضع اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله وكما أن القرّاء في زمانه صلى الله عليه وآله كانوا يعدّون بالمئات بل بالالاف، فلا بد أن يكون الجمع هنا بمعنى امتلاكه مكتوباً مدوّناً.

والثالث: الروايات التي رويت من طرق الفريقين تؤكد على وجود المصحف في عصر الرسول صلى الله عليه وآله . ووصاياه بالمصحف وأحكامه وما ورد في استحباب القراءة في المصحف نظراً وحفظاً، تدل بالملازمة على وجود ذلك المصحف وكونه متعارفاً عند الصحابة 5.

ومنها ما يرجع إلى ظاهر روايات الجمع في زمن أبي بكر، وهي:

الأول: أن روايات جمع القران بعد النبي صلى الله عليه وآله مضطربة ومتهافتة بحيث أنه لا يمكن الاعتماد عليها ولا الركون إلى شي‏ء ثابت فيها.

30

فمن حيث الزمان ظاهر بعضها أن الجمع لم يتم إلا في زمان عثمان، بينما تحكي روايات أخرى أن الجمع كان في زمن عمر بن الخطاب، وتنص طائفة أخرى على أنه في زمان أبي بكر.

ومن جهة المتصدي للجمع ففي بعضها أنه أبو بكر وفي بعضها أنه عمر وزيد بن ثابت بينما في بعضها أنه زيد فحسب. وفي بعض الروايات أن أبا بكر قد فوض إليه ذلك، حتى أنّ عمر جاءه باية الرجم فلم تقبل منه.

وقد اضطربت الروايات من جهة كون الجمع كان تاماً في زمان أبي بكر حتى أنه لم يبق منه شي‏ء إلا دوّن فيه، بينما صريح رواية بقاء شي‏ء منه لم يثبت في المصحف إلى زمان عثمان.

والثاني: إن روايات جمع القران بعد الرسول صلى الله عليه وآله لا يمكن القبول بها لأنها تفرض أن القران الكريم قد جمع بالشاهد والشاهدين، وهي تفترض إمكانية ضياع أجزاء كثيرة منه، حيث زعمت أنهم كانوا يطلبون الاية فلا يجدونها إلاّ عند شخص من الصحابة استشهد أو توفي، وأن بعض الايات لم يتوفر لها شاهدان، وهذا كان له عظيم الأثر في زرع الشبهات في نفوس البسطاء الذين صدّقوا هذه الروايات وغفلوا عما تقتضيه الضرورة والشواهد القطعية والدلائل البينة على تواتر القران الكريم واهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بنشره وتعليمه للمسلمين وتدوينه بشكل واسع، وتوفير كل مقتضيات حفظه وبقائه وتواتره في كل العصور.

فالصحيح إذن أن الرسول صلى الله عليه وآله كان يشرف بنفسه على تدوين القران الكريم وتأليف سوره وجمع الصحف المدوّنة بشكل مستمر. ولم يرحل عن دار الفناء إلا وهو مطمئن النفس مرتاح البال تجاه هذه الأمانة العظمى والمعجزة الكبرى، وأن المصحف المقروء على رسول اللّه صلى الله عليه وآله كان متوفراً عند عدد من الصحابة الكرام بالإضافة إلى القطع والأجزاء المتفرقة عند المئات بل الالاف من المسلمين، الذين لم تتوفر لهم فرصة الحصول على نسخة كاملة، فكتب ما تيسر له وما سمعه من الرسول صلى الله عليه وآله مباشرة أو أقرأه إياه بعض القراء.

31

× هل المقصود من الروايات الجمع بالمعنى الثاني

حاول بعض المحققين التوفيق بين روايات الجمع فزعم أن روايات الجمع على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله إضافة إلى الأدلة الأخرى التي تقتضي ذلك تحمل على المعنىالثاني من الجمع وهو التدوين للجميع من أحد الوسائل المعروفة وجمعها في صرّة أو ربطها بخيط أو وضعها في إضبارة مثلاً وأما الجمع في كتاب واحد فهو لم يتم إلا في عهد أبي بكر.

وهذا المعنى لا داعي للالتزام به، إذ أن التأليف بين الصحف وترتيبها بشكل كتاب محفوظ في إضبارة أو مربوط في خيط هو جمع حقيقي.

والنتيجة: فالجمع بالمعنى الثالث هو المتعيّن وهو الظاهر من القرائن والشواهد والنصوص.

وهذه النتيجة التي توصلنا إليها وهي المقبولة عند كبار علمائنا ومحققينا كالحر العاملي وابن طاووس والسيد شرف الدين العاملي، والسيد أبو القاسم الخوئي وغيرهم 6.

× الجمع بالمعنى الثالث

روى السيوطي عن ابن اشتة قال: اختلفوا في القراءة على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلّمون فبلغ ذلك عثمانفبن عفان فقال: عندي تكذبون به وتلحنون فيه، فمن نأى عني كان أشد تكذيباً وأكثر لحناً، يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماماً، فاجتمعوا فكتبوا 7.

ولا إشكال في أن عثمان بن عفان أمر بجمع القران بالمعنى الرابع المتقدم فقد قام بكتابة نسخة من المصحف سماها بالإمام، فصارت مرجعاً لمن يريد ضبط نسخته أو استنساخ نسخة منه.

وقد أقره أمير المؤمنين عليه السلام على خطوة توحيد القراءة وقطع الخلاف فيها، خاصة

32

أن الرسول صلى الله عليه وآله كان قد نهى عن الاختلاف في القران، والاختلاف في قراءته أوضح مصاديق الاختلاف المنهي عنه.

نعم يؤاخذ عثمان من جهة إحراقه المصاحف الأخرى وأمره باحراق ما جمع في الأمصار.

ومهما يكن فإنه بعد توحيد المصحف أمر عثمان باستنساخ عدة مصاحف وأرسلها إلى الأمصار لتكون هناك مرجعاً يؤخذ عنه.

وأما عدد تلك المصاحف فقيل أربعة والمشهور أنها خمسة بل ذهب البعض إلى أنها سبعة مصاحف ارسلت إلى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة وبقي أحدها في المدينة8. والجدير بالذكر أن لا وجود لهذه المصاحف في عصرنا الحاضر.

× التنقيط والشكل

كتابة المصاحف حتى العثمانية منها كانت مجردة عن علامات الشكل والنقط والإعجام، حيث أن الخط الكوفي كان إلى ذلك الحين مجرداً عن الزوائد، بل لم يدوّن في تلك المصاحف أي نوع من أنواع الزيادة التوضيحية مثل أسماء السور وأرقام الايات.

وأوّل من تصدّى لوضع الحركات الاعرابية هو أبو الأسود الدؤلي (المتوفي سنة69ه) وذلك بعد أن سمع من يلحن بالقراءة، فاستعمل مداداً يخالف لونه اللون الذي كتب به القران،وقال للكاتب:" إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وان ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة نقطتين (وفي نسخة: فاجعل النقطة من تحت الحرف) " 9 وقيل أنه جعل للفتح نقطة فوق الحرف وللضم نقطة إلى جانبه وللكسر نقطة أسفله وللتنوين نقطتين 10... والجدير بالذكر هنا أن أبا الأسود الدؤلي كان قد أخذ أصول النحو عن أمير المؤمنين عليه السلام الذي وضع له قواعده ولقنه أصوله وأمره بتفصيل ما أجمله له ليرجع إليه من كان في لسانه عجمة للتخلص من اللحن في الكلام.

33

وقد أكمل عمل أبي الأسود من بعده إثنان من تلامذته هما يحيى بن يعمر العدواني (توفي عام 90ه تقريباً) ونصر بن عاصم الليثي (توفي عام 89ه) حيث وضعا النقاط على الحروف أزواجاً وإفراداً، في عملية أطلق عليهااسم الإعجام، وذلك للتمييز بين الحروف المتشابهة في الرسم فصار لكل حرف صورة تميزه عن صورة غيره من الحروف كما هو المتعارف في كتابتنا اليوم 11.

ثم تلا ذلك تطوير علامات الإعراب والشكل فوضع علامة للسكون وغيرها من العلامات.

وقد اعتمدوا في البداية للتمييز بين نقاط الاعجام ونقاط الحركات اختلاف اللّون فاستعملوا ثلاثة ألوان، لوناً للكتابة ولوناً للنقط التي تميز الحروف المعجمة من المهملة، ولوناً للنقط التي ترمز إلى الحركات، وربما وصل الأمر إلى استعمال أربعة ألوان كما نقل عن أهل الأندلس 12.

لكن الخليل بن أحمد الفراهيدي (170 100ه) ابتدع أشكال الحركات فميزها عن نقاط الحروف فجعل لكل حركة حرفاً صغيراً بدل النقط، فوضع للضمة واواً صغيرة وللكسرة ياءً مردفة تحت الحرف وللفتحة ألفاً مائلة فوق الحرف. وأضاف إلى ذلك علامة الهمز والتشديد والرّوم والإشمام 13. واستمرت حركة وضع الاصطلاحات والعلامات التوضيحية فوضعت علامات نهاية الايات وقسمِّ القران إلى الأخماس والأعشار ووضعت إشارات إلى أحكام السجود الواجب والمندوب وهكذا.

أما على صعيد الرسم القراني أي الاملاء فقد بقي الرسم العثماني هو الأساس.

والحقيقة أن عملية التنقيط ووضع الحركات الاعرابية قدّمت خدمة عظيمة ووضعت حداً للاختلاف في القراءة التي كانت بلغت مستوىً خطراً كما سيأتي الإشارة إليه.

34

أسئلة حول الدرس

1- هل تم جمع القران في حياة الرسول صلى الله عليه وآله أم بعد وفاته، أعطِ شاهداً على ذلك؟
2- لماذا لا يمكن الالتزام بأن معنى جمع القران هو حفظه في الصدور؟
3- هل يمكن أن يطلق على عملية التجليد اسم الجمع؟ ولماذا؟
4- ما هو المعنى المتعيّن للجمع بحسب الظاهر من القرائن والشواهد والنصوص؟
5- بأي معنى من معاني الجمع قام عثمان بجمع القران الكريم؟
6- من هو أول من تصدى لوضع الحركات الإعرابية لايات الذكر الحكيم؟

هوامش

1- الزركشي، البرهان، 304 1، صحيح البخاري، الباب 20، سورة 9، من كتاب التفسير والباب 25 8 3 من فضائل القران.
2- الزركشي، البرهان، 305 1.
3- الزنجاني، تاريخ القران، 46.
4- الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، 611 2.
5- الزركشي: البرهان في علوم القران، 305 1.
6- راجع: حقائق هامة حول القران الكريم، للسيد جعفر مرتضى، 88 82.
7- السيوطي، الاتقان في علوم القران، 209 1 الصغير: تاريخ القران 91.
8- السجستاني، كتاب المصاحف 43 الصغير، تاريخ القران، 93.
9- ابن النديم، الفهرست، 45.
10-الصغير، تاريخ القران، 131.
11-الصغير، تاريخ القران، 134 133.
12-الزنجاني، تاريخ القران، 98.
13-الصغير، تاريخ القران، 135 134 السيوطي، الاتقان، 4/481.




يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 25-03-2017, 05:23 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

لدرس الخامس : القراءات القرانيّة

لا يكاد يخلو كتاب تفسير من التعرض لذكر القراءات المتعددة للكثير من مفردات القران، وهذه القراءات تنسب إلى قراءٍ معينين، وقد احصي منها عشرة مشهورة أو سبعة هي الأشهر وإلاّ فإن عدد القراءات الشاذة تزيد عن ذلك بكثير فكيف نشأت هذه القراءات؟ وكيف يمكن التعامل معها في القراءة خاصة في الصلاة؟.

v منشأ القراءات

هناك اتجاهان في شأن نشوء القراءات القرانية ومصدرها:

الأول: أن المصحف حتى المصحف العثماني قد كتب مجرداً عن التنقيط والحركات الاعرابيّة، وهذا أدّى إلى الاختلاف في قراءته، نتيجة عدم حفظ المعلّمين القراءة الصحيحة بدقة، واعتماد الرسم الذي يحتمل عدة وجوه لخلوّه من الإعجام والإعراب.

فالقراءات على هذا الوجه تكون اجتهادية محضة أو مرويّة عن القّراء المشهورين، دون أن يعلم الزمن الذي حصل فيه الاختلاف وكيف بدأ.

الثاني: اتجاه يزعم أن القراءات مروية بالأسانيد عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله بغض النظر عن كتابة المصحف الشريف. وقد ادعى البعض تواتر القراءات السبعة المشهورة1.فبناءً على هذا هناك اتجاه يذهب إلى أن القراءات بين ما هو اجتهاد من القارى‏ء وبين ما هو منقول بخبر الواحد. مع اعترافه بأن القران نزل على قراءة واحدة، بينما الاتجاه الثاني يدعي أنها كلها قران وأنه نزل بقراءات متعددة ومتواترة.

36

× أدلة الإتجاه الأول

يدل على الإتجاه الأول: ما ورد في أخبارنا عن الإمامين الباقر والصادق عليه السلام في أن القران نزل على حرف واحد:

منها ما روي عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : أن الناس يقولون إن القران نزل على سبعة أحرف فقال عليه السلام : " كذبوا أعداء اللّه ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد " 2.

ومنها ما روي الإمام الباقر عليه السلام : " أن القران واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجي‏ء من قبل الرواة " 3.

ومنها ما روي عن سليمان بن صرد عن الرسول صلى الله عليه وآله : " أتاني جبرئيل فقال: اقرأ القران على حرف واحد " 4.

ويدل عليه ايضاً: أن عثمان جمع الناس على قراءة واحدة كما يقولون فهو اعتراف ضمني بأن القران واحد نزل بقراءة واحدة وإلا لما كان له أن يمنع القراءات الأخرى ويحمل الناس على قراءة واحدة.

وقد تبنى هذا الإتجاه أكثر من واحد من مصنفي أهل السنّة وصرحّوا بأن سبب الاختلاف في القراءات هو خلو المصاحف الأولى من النقط والشكل. فقد نقل ذلك عن ابن أبي هاشم 5، وابن جرير الطبري 6 وغيرهما.

× أدلة الإتجاه الثاني

استدلوا على الإتجاه الثاني بما رووه عن النبيصلى الله عليه وآله 7 من أن القران الكريم نزل على سبعة أحرف 8، فزعموا أن الأحرف السبعة هي القراءات السبعة المشهورة.

حتى أن بعضهم يدّعي ان عثمان بن عفان فرّق هذه القراءات على المصاحف التي

37

دوّنها لكي تحفظها الأمة كما نزلت من عند اللّه تعالى وكما سمعت من رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، وهذا هو سبب اختلاف رسوم مصاحف أهل الأمصار 9.

والاستدلال برواية الأحرف السبعة على ما ذكر غير تام: فإن هذه الرواية معارضة بما روي عن أئمة أهل البيت عليه السلام وهم أعلم بما نزل فيه من أن القران واحد نزل من عند الواحد، على حرف واحد وأن الاختلاف يأتي من قبل الرواة كما تقدم.

ومن جهة ثانية لا دليل على أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبعة، فإن بعض الروايات فسّرت الأحرف بأنها أساليب القران من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والجدل والأمثال والقصص 10، ويظهر من روايات أخرى أن الأحرف إشارة إلى معاني القران وتأويلاته، فقد روي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: " تفسير القران على سبعة أوجه، منه ما كان، ومنه ما لم يكن بعد، تعرفه الأئمة " 11.

ومن جهة ثالثة فإن روايات أحرف القران متضاربة، فبعضها يقول أنها سبعة وبعضها يقول أنها خمسة وبعضها يقول أنها أربعة وربما ثلاثة فلا يعلم الصحيح منها.

والنتيجة أن مقولة تفسير الأحرف السبعة بالقراءات غير مقبولة ولا يصح الاعتماد عليها.



v اختلاف مصاحف الأمصار

تصرح بعض النصوص أن عثمان بن عفان لما أتي بالمصحف بعد أن فرغوا منه، نظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم أرى فيه شيئاً من لحن ستقيّمه العرب بألسنتها 12.

وهذا يدل على أن الدقّة التي توخاها كتبة القران انذاك لم تكن مانعة من وقوع بعض اللّحن غير المهم في طريقة الرسم القراني، ولذا اعتمدوا على أن العرب ستقومها بألسنتهم، ولو كان ذلك على مستوى الاختلاف الجذري لما كان يسكت عليه.

بالإضافة إلى أن المصاحف تلك كانت خالية عن النقط والحركات الإعرابية كما تقدم مما جعل إمكانية اختلاف قراءتها على مستوى عالٍ، ونحن لا ندري مقدار هذا الاختلاف

38

المزعوم في المصاحف العثمانية، وما نقل في المقام لا يخلو أن يكون مجرّد دعاوى غير مدعّمة بأدلة قاطعة، وهذا مما لا يجوز الوقوف عنده أمام النص المتواتر والقراءة المتواترة.


v سند القراءات

أما دعوى كون القراءات مرويّة عن الرسول صلى الله عليه وآله ، فهنا لا بد من التعرض لأمرين:

الأول: أنّ القران لا يثبت بأخبار الاحاد وإنما بالتواتر الموجب للاعتقاد اليقيني بأنه هو كلام اللّه النازل على رسوله صلى الله عليه وآله ، وعليه فأي قراءة لا بد من إسنادها بأسانيد متواترة ولا يكفي مجرد الرواية بسند واحد أو سندين بما لا يخرجها عن الاحاد. وهذا أمر مسلّم لا يناقش فيه أحد.

الثاني: إن القراءات المنقولة في كتب التفسير وغيرها كلها غير متواترة، وقد كفانا البحث السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره ) في كتاب " البيان " 13، وقد أورد ترجمة القراء السبعة وأثبت أن قراءتهم غير متواترة بل بعضها لم تثبت بسند صحيح أصلاً.

والقراء السبعة هم:

1- عبد اللّه بن عامر الدمشقي، ولد سنة 8ه وتوفي سنة 118هـ ، قيل قرأ على المغيرة.

2- ابن كثير المكي ولد سنة 45هـ وتوفي سنة 120هـ ، قيل أنه قرأ على ابن السائب.

3 عاصم بن بهدلة الكوفي توفي سنة 127 أو 128هـ ، وقيل أنه قرأ على زر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي عمرو الشيباني، ومن أشهر من روى عنه حفص بن عمر.

4- أبو عمرو البصري ولد سنة 68هـ وتوفي 154هـ ، أكثر القراء شيوخاً.

5- حمزة الكوفي ولد سنة 80هـ وتوفي سنة 156هـ قرأ على سليمان الأعمش وحمران بن أعين وغيرهما.

6- نافع المدني مات سنة 169هـ ، أخذ عن جماعة من تابعي أهل المدينة.

7- الكسائي الكوفي مات سنة 189هـ ، أخذ القراءة عن حمزة الزيات.

39

ومن تصفح حال القراء وتراجمهم يظهر أن قراءاتهم تلقوها عن مشايخهم بطرق الاحاد، وكثير من القراء أنفسهم لم يكن ثقة أو أن شيوخه لم يكونوا ثقات. والمهم هو عدم إمكان الركون إلى شي‏ء منها. ولا يكفي أن يدعى تواتر القراءة إلى القراء أنفسهم فإن المطلوب التواتر عن الرسول صلى الله عليه وآله وهو غيرها.

ثم إن احتجاج كل واحد من القراء على صحة قراءته وإعراضه عن قراءة غيره دليل على أن القراءات لم تكن متواترة عن الرسول صلى الله عليه وآله ولم تكن متعددة في الأصل وإلا لم يكن هناك حاجة لكل ذلك فإن التعدد يكون عندئذ هو الطبيعي.

ومهما يكن فإن عدم تواتر القراءات لا يضر بتواتر القران لعدم الملازمة بينهما، كما ان تواتر القران لا يستلزم تواتر القراءات، لأن الاختلاف في كيفية الكلمة لا ينافي الاتفاق على أصلها. ومع اتفاق اراء جمهور الفصحاء والبلغاء وأرباب النحو على قراءة عاصم الكوفي، وحيث أن أدق رواته هو حفص دون سائر تلامذته فقد تداول المسلمون هذه القراءة واتفقوا عليها، ومع ملاحظة أخبار أهل البيت عليهم السلام التي سيأتي ذكرها لا يبقى اشكال في الأخذ بها حينئذ لخروجها عن الشاذ والنادر.


v نمط اختلاف القراءات

من يتتبع القراءات المختلفة يصل إلى حد الاطمئنان بأنها أخطاء في القراءة نشأت من اختلاف الرسم أو اختلاف اللهجات أو عدم وجود النقاط الاعجامية للحروف وعدم وضع الحركات الاعرابية، ولتقريب ذلك إلى الذهن أكثر نأتي بأمثلة:

1- قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ﴾ قرى‏ء بكسر الكاف وبضمها وقال الطبرسي: هما لغتان. وهذا يدل على أن منشأ الاختلاف هنا هو اختلاف اللهجة العربية من قبيلة لأخرى، وكل قرأ بلغته.

2- ومثله قوله تعالى: ﴿يضارّ﴾ قرى‏ء بفتح الراء وبضمها.

3- قوله تعالى: ﴿فيَقْتُلون ويُقْتَلُون﴾ قرى‏ء بالبناء للمفعول في الأول وللفاعل في الثاني وبالعكس. وهذا يبدو أنه من عدم الحفظ، واحتمال الرسم للقراءتين، واتحاد المعنى.

40

4- ﴿مُجراها ومُرساها﴾ قرأ ابن مسعود بفتح الميمين.

5- ﴿حتى يطهُرن﴾ قرى‏ء يطّهّرن بالتشديد، وهذا ناشي من عدم الحركات الإعرابية.

6- ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد﴾ قرى‏ء المجيد بالرفع والجر وهذا من الاختلاف بالتفسير وعدم حفظ القراءة.

7- ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ قرى‏ء باعد على وزن الفعل الماضي وفعل الأمر.

8- ﴿يعرشون﴾ قرى‏ء بضم الراء وبكسرها.

9- ﴿ولكنّ الشياطين كفروا﴾ قرئت لكن بالتشديد والتخفيف ويتبع ذلك رفع الشياطين ونصبها.

10- ﴿فتبيّنوا﴾ قرى‏ء فتثبتوا، وهذا نوع من الاختلاف ناشى‏ء من عدم وجود نقط الاعجام.

11- يعلمون وتعلمون في أكثر من موضع اختلف في قراءتها بالياء والتاء على الخطاب والغيبة.

12- ﴿لم تروها﴾ قرى‏ء لم يروها في الموضعين من التوبة.

13- ﴿ننشزها﴾ قرى‏ء ننشرها. وهذا كله لعدم التنقيط.

14- ﴿ويقص الحق﴾ قرى‏ء ويقضي الحق وهذا مثال لتشابه الرسم والخطأ في التشخيص.

هذه نماذج يسيرة وأغلب الاختلافات من هذا القبيل.

وهناك اختلافات في زيادة كلمة ونقصانها، واستبدال حرف جر باخر وأمثال ذلك مما ينشأ من سهو الحافظ.

وهناك اختلافات ناشئة من الخلط بين التفسير والتأويل ومتن القران فيتوهم أن ما ورد على الألسنة للتفسير أنه من أصل القران.

ونحن لا ننفي بعض المحاولات العمدية للتحريف خاصة إذا عرفنا أن بعض أهل الكتاب كان يطلب منه نسخ المصحف وهو لا يؤتمن من التلاعب والزيادة والتحريف. ومن هذا القبيل ما ورد أن عبد الرحمن بن أبي ليلى كتب له نصراني من أهل الحيرة

41

مصحفاً بسبعين درهماً 14، ومنذ سنوات قليلة حاول يهود العصر في إسرائيل تحريف القران في الايات التي ترتبط بهم وباءت محاولتهم بالفشل كما فشلت كل المحاولات السابقة وبقي القران الكريم محفوظاً بعيداً عن كل ريب.

وفي الختام لا بد من الإشارة إلى ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام من الأمر بالقراءة " كما يقرأ الناس" أو " كما علمتم " والنهي عن متابعة القراءات الشاذة.

روي أنه قرأ رجل على أبي عبد اللّه عليه السلام حروفاً من القران ليس على ما يقرؤها الناس فقال أبو عبد اللّه عليه السلام " كف عن هذه القراءة إقرأ كما يقرأ الناس..." 15.
وروي عنه عليه السلام أنه قال: " اقرؤوا كما علّمتم " 16.

وقد استفاد بعض فقهائنا من هذه النصوص جواز القراءة بكل قراءة مشهورة بين الناس في عصر الإمام عليه السلام . ولكننا نقول أنه لم يعلم أن المشهور والذي كان يقرؤه الناس وأمر به الإمام عليه السلام هو أكثر من قراءة واحدة. وعليه فيشكل القراءة بما خالف المصحف المتداول وهو المتواتر في الصلاة وغيرها.

42

أسئلة حول الدرس

1- ما هي الأسباب التي ذُكرت لنشوء القراءات المتعددة للقران؟
2- ما هو رأي الأئمة عليهم السلام من موضوع التعدد في القراءات؟
3- ما هو المعنى الصحيح للأحرف السبعة التي نزل القران عليها؟
4- قيل إن القراءات المتعددة للقران مروية عن النبي صلى الله عليه وآله ، كيف ترد على ذلك؟
5- ما هي القراءة التي كان عليها أئمة أهل البيت عليهم السلام والتي هي متداولة اليوم؟
6- ما هي طبيعة الاختلاف بين القراءات المتعددة للقران الكريم؟

هوامش

1- السيوطي، الاتقان، 258 1.
2- الكليني، الكافي، 630 2.
3- الكليني، الكافي، 630 2.
4- المتقي الهندي، كنز العمال، 34 2.
5- القسطلاني، فتح الباري، 28 9.
6- الصغير، تاريخ القران، 109 107.
7- السيوطي، الاتقان، 263 257 1 الباقلاني، نكت الانتصار لنقل القران، 415.
8- راجع مصادر الحديث في حقائق هامة حول القران الكريم، للسيد جعفر مرتضى، 178-177
9- السيد جعفر مرتصى، حقائق هامة، 220.
10- المجلسي، بحار الأنوار، 94 4.
11- الحر العاملي، وسائل الشيعة، 197 27 (ط. ال البيت).
12- السجستاني، كتاب المصاحف، 41.
13- الخوئي، البيان في تفسير القران، 147 126.
14- عبد الرزاق، المصنف، 114 8.
15- الكليني، الكافي، 633 2.
16- نفس المصدر، 631 2.



يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 25-03-2017, 05:24 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس السادس: سلامة القران من التحريف
1- القرآن ونفي التحريف
قال تعالى في محكم كتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ 1.
هذه الاية الشريفة تدلّ دلالة تامة على سلامة القران الكريم، وأنه محفوظ من التغيير والتحريف اللفظي، قال العلامة الطباطبائي في تفسيرها: " ... فهو ذكر حيّ خالد مصون من أن يموت وينسى من أصله، مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكراً، مصون من النقص كذلك، مصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث يتغيّر به صفة كونه ذكراً للّه، مبيناً لحقائق معارفه، فالاية تدل على كون كتاب اللّه محفوظاً من التحريف، بجميع أقسامه بجهة كونه ذكراً للّه سبحانه، فهو ذكر حيّ خالد " 2.
ويقول السيد أبو القاسم الخوئي: " فإن في هذه الاية دلالة على حفظ القران من التحريف، وأن الأيدي الجائرة لن تتمكن من التلاعب فيه " 3. وقريب من هذا الكلام صدر عن الفخر الرازي والفيض الكاشاني والشيخ الطبرسي وغيرهم.
والمراد من الذكر في الاية المحكي بهذا القران الملفوظ أو المكتوب وهو المنزل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، والمراد من حفظه صيانته من التلاعب والتغيير والضياع، ولا شك أن مثل هذا الحفظ لا يصح إلاّ مع بقائه بمتناول أيدي البشر عامة الذين نزل لهدايتهم. ولا يصح اطلاق مثل هذا الحفظ على بقائه بأيدي جماعة خاصة مع عدم إمكان وصول الناس إليه، ولذا صح أن يقال أن بني إسرائيل حرّفوا التوراة والإنجيل مع بقائها مكتومة عند أفراد معينين.
43
2- نفي التحريف في السنة
وردت روايات عديدة تقتضي سلامة القران وحفظه من أيدي التحريف:
الطائفة الأولى:
ما ورد من الأمر بعرض الأخبار على كتاب اللّه بهدف تمييز الصحيح منها عن الموضوع، ومع فرض عدم سلامة القران فكيف يصحّ الأمر بالعرض عليه وكيف يتم جعله مقياساً لذلك.
فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال: " تكثر لكم الأحاديث بعدي، فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فاقبلوه وما خالف فردّوه " 4.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: " كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف " 5.
قال الفيض الكاشاني رحمه اللّه: " وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب اللّه لتعلم صحته بموافقته له، أو فساده بمخالفته، فإذا كان القران الذي بأيدينا محرّفاً فما فائدة العرض " 6.
الطائفة الثانية:
الرواية المتواترة التي تأمر بالتمسك بالثقلين: " إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي " 7 وما في معناها من الروايات الامرة بالتمسك بالقران واتخاذه إماماً والتي تصفه بأنه نور وهداية وناصح وأنه لا عوج فيه وأنه عصمة للمتمسك به ونجاة للمتعلق به وأمثال ذلك.
وهذه النصوص كلها تقتضي سلامته وحفظه على تلك الصفة. ولو كان محرفاً لما كان لها أي معنى حينئذ.
3- تواتر القرآن الكريم
تقدم في بحث جمع القران الكريم أن القران الكريم متواتر حفظاً وتدويناً، فعلى
44
صعيد التدوين، تقدم أن الرسول صلى الله عليه وآله استخدم في كتابة الوحي عشرات الكتّاب وانتشر التدوين بصورة واسعة جداً وأن عدداً من الصحابة كان يمتلك نسخاً كاملة من القران الكريم في حياة الرسول صلى الله عليه وآله ، وعلى صعيد الحفّاظ فقد كان عددهم بالمئات بل الألوف، وقد استمر هذا التواتر في كل الأجيال وجميع العصور حتى يومنا هذا.
فلا يعتنى بدعاوى التحريف التي تخالف القطع وظاهر الكتاب والسنّة النبوية الثابتة.
4- شواهد تاريخية أخرى
توجد عدة شواهد تاريخية على أن تحريف القران لم يكن متيسراً حتى لمن كان يرغب بذلك.
فمن ذلك قول عمر بن الخطاب: " لولا أن يقول الناس إن عمر زاد في كتاب اللّه لكتبت اية الرجم بيدي " 8.
ومن ذلك أن عثمان أراد حذف الواو من اية الكنز ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة...﴾ ولكن الصحابة اعترضوا عليه ومنعوه من ذلك حتى أن أبيّ قال له: لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي، فألحقوها 9.
واتفق مثل ذلك مع الخليفة الثاني في " واو " ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾ 10.
وسواء فسر ذلك بأنه سهوٌ وقلة حفظ أو أنها محاولات هادفة فإنّ المسألة لم تكن متيسرة لهم، وقد سخر اللَّه سبحانه من يحفظ القران الكريم من التغيير والتبديل.
× دعاوى التحريف
يستعمل لفظ التحريف ويراد منه أحد معنيين:
الأول: التحريف المعنوي، وذلك بحمل الألفاظ على غير معانيها وتأويلها بما لم تنزل فيه بلا دليل لغوي ولا رواية صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام .
45
وهذا النمط من التحريف وقع بلا شك من قبل الكثير من المذاهب وأهل الأهواء والمقالات الفاسدة الذين حاولوا الاستفادة من الكتاب لنصرة مقالاتهم الباطلة، ولأجل ذلك نهى أمير المؤمنين عليه السلام عن مجادلة الخوارج بالكتاب عندما بعث إليهم ابن عباس فقال له: " لا تخاصمهم بالقران فإن القران حمّال ذو وجوه تقول ويقولون ولكن خاصمهم بالسنّة فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً " 11.
وذلك لأنهم كانوا يؤولون الايات التي يمكن أن يخاصمهم بها لالزامهم بوجوب طاعة أمير المؤمنين على وفق أهوائهم وارائهم. بخلاف نصوص السنّة الصحيحة والصريحة بالمطلوب.
الثاني: التحريف اللفظي، ويراد منه تحريف ألفاظ القران الكريم بالزيادة أو النقصان أو التبديل، وهذا هو المقصود من البحث، وما قدمناه من أدلة على سلامة القران يقصد سلامته من هذا النوع من التحريف. لكن المؤسف أن بعض المحدثين الشيعة خدعوا بالأخبار المتفرقة التي تدل على وقوع التحريف بالقران أو التي توهموا دلالتها على ذلك، وهي أخبار عامية في الأعم الأغلب وقد أساؤوا نتيجة ذلك إلى القران الكريم ووجهوا طعنة خطيرة للإسلام بسبب هذه السذاجة.
وجاء بعد ذلك الذين يتربصون الدوائر بأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وتلقفوا هذا الكلام واتخذوه مطعناً للاجهاز على التشيع وتشويه صورته. فلا يخلو كتاب يصنف اليوم ضد التشيع من فصول تستغل هذه المقولة وتنسب إلى الشيعة هذه التهمة بسبب ما ذهب إليه هؤلاء المحدثون وعلى رأسهم المحدث الشيخ حسين النوري الذي ألف كتاباً سمّاه " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " .
أورد فيه اثني عشر دليلاً أو توهماً وأسهب في التوجيه، وهذه الأدلة المزعومة نذكر أهمها:
الأول: ما ورد من أن ما وقع في الأمم السابقة يقع في هذه الأمة أيضاً ومن المعلوم أن الأمم السابقة حرفت التوراة والإنجيل، فلا بد أن هذه الأمة كذلك.ويجاب بأن هذه الروايات عامية المنشأ في الغالب ومع ذلك فهي ناظرة إلى الحوادث
46
الاجتماعية والسنن التاريخية ولا يلزم أن يتكرر كل حدث صغير أو كبير بتفاصيله فلا يصح الاستدلال بها هنا.
الثاني: الروايات التي تظهر كيفية جمع القران بحسب ما ورد في كتب القوم إذ يلزم منها عدم الاطمئنان إلى سلامة الكتاب، كالجمع بالشاهد والشاهدين وأمثال ذلك. ولكن تقدم أن القران كان مدوّناً بكامله عند عدد كبير من المسلمين على زمان الرسول صلى الله عليه وآله والتواتر متوفر في كل الطبقات.
الثالث: اختلاف القراءات في مصاحف الصحابة على ما نقله المفسرون من أهل السنّة، وهو أحد أنواع التحريف لأن القران نزل على حرف واحد.
والجواب عن هذا أنه تقدّم أن عدم تواتر القراءات شي‏ء وتواتر القران شي‏ء اخر فاختلاف القراءات لا يضر بالمادة الأصلية للقران.
الرابع: ما ورد من أن أبيّ بن كعب كان أقرأ الأمة، وما ورد في أن ايات مصحفه أكثر مما هو موجود الان، ويستنتج من ذلك طروء النقص.
والجواب عن هذا أن هذه الروايات أيضاً ضعيفة وعامية وشاذة لا يصح الوقوف عندها مقابل التواتر الفعلي. ونضيف إلى ذلك أن الاختلاف بعدد الايات لا يدل على الزيادة والنقص لأنهم ربما اختلفوا على أماكن الوقف والفواصل فأدّى ذلك إلى الاختلاف بعدد الايات وهذا لا يؤثر.
الخامس: إن ما فعله عثمان من حمل الناس على قراءة واحدة وإحراق باقي المصاحف يجعل القران الكريم في معرض التشكيك وعدم الاطمئنان إلى سلامته، وإذا أضيف إليه مخالفة ابن مسعود لعثمان ينتج عنه وجود تحريفات كانت سبباً لمخالفة ابن مسعود.
ولكن يدفعه أن عمل عثمان كان بموافقة صريحة من أمير المؤمنينعليه السلام وأنها وحّدت القراءات وأن مخالفة ابن مسعود لا تدل على شي‏ء مما ذكر، لأنه رفض تسليم مصحفه للإحراق وكان يعتز به لأنه كتبه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله فلا يدل على أن المصحف الجديد كان مغايراً لمصحفه، نعم ربما كان ابن مسعود قد خالف في الترتيب أو دوّن بعض التفسير والتأويل فيه فكان رفضه لذلك أيضاً، وهو ليس من التحريف كما هو واضح.
47
السادس: الروايات التي تصرح بوقوع التحريف في القران. وهذه الروايات أكثرها مروي عن السياري (الغالي) وغيره من الضعفاء، بالإضافة إلى أن المقصود فيها غالباً هو التحريف المعنوي لا اللفظي، وقد تقدّمت رواية الباقر عليه السلام بأنهم أقاموا حروفه وحرفوا حدوده وهي صريحة في التحريف المعنوي.
السابع: وجود ألف رواية أغلبها شيعي تتضمن اختلاف القراءة عما هو في المصحف الحاضر، وهذه الروايات الألف فيها ما يلي:
1- أن أكثر من 230 رواية منها ترجع إلى السياري الغالي الملعون على لسان الصادقعليه السلام ، ولا يقبله أحد من علماء الرجال عندنا.
2- أكثر من 600 رواية مكررة، ذكرها لتعدد الطرق أو تعدد المصدر.
3- وبعد إسقاط روايات السياري والمكررة فلا يبقى إلا حدود 08 رواية هي عبارة عن روايات اختلاف القراءات أكثرها أخذت من مجمع البيان. والطبرسي في المجمع يروي عن رجال أهل السنّة مثل الكسائي وابن مسعود والجحدري والسلمي والضحاك وقتادة وابن عمر وابن حجار ومجاهد وعكرمة وعائشة وابن الزبير وحمزة وابن يعمر الشعبي وغيرهم.
مع أن الكثير من هذه الروايات ناظر إلى التفسير وشأن نزول الايات، وقد اختلط التفسير بمتن الايات فيها بسبب عدم استعمال العلامات المميزة للمتن عن التفسير كما هو المتعارف اليوم.
× تصريحات العلماء
صرح علماء الشيعة عبر القرون بسلامة القران من التحريف ومع ذلك فإن البعض ممن ينسب إلى الشيعة تهمة القول بالتحريف يهمل هذه التصريحات عمداً ويتمسك بما ذكره بعض المحدثين لأغراض خبيثة أو يحمل تلك التصريحات على التقية لاتمام بهتانه. وهذه نماذج ممن صرّح بسلامة القران من الشيعة:
1- الشيخ الصدوق (ت 183ه) في كتاب الاعتقادات 93 92.
2- الشيخ المفيد (ت 314ه) في كتابه أوائل المقالات 56 55.
48
3- السيد المرتضى (ت 634ه) في جواب المسائل الطرابلسيات حكاه عنه الطبرسي في مجمع البيان 1/51
4- الشيخ الطوسي (ت 164ه) في التبيان 1/3.
5- الشيخ الطبرسي (ت 845ه) في مجمع البيان 1/51.
6- الشيخ الحر العاملي (ت 4011ه) له رسالة في إثبات عدم التحريف نقل منها رحمة اللّه الهندي في إظهار الحق 129.
× وفي هذا القرن:
السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة 1/64.
عبد الحسين شرف الدين في أجوبة مسائل جار اللّه والفصول المهمة 166 165.
السيد البروجردي نقله عنه الشيخ لطف اللّه الصافي في كتاب مع الخطيب في خطوطه العريضة 49.
السيد محسن الحكيم نقل نص عبارته السيد مرتضى الرضوي في كتابه البرهان على عدم تحريف القران 252.
السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان 107 104/12، وكتاب القران في الإسلام 071.
الإمام السيد الخميني في كتاب تهذيب الأصول 2/561.
السيد أبو القاسم الخوئي في كتاب البيان في تفسير القران 952.
وغيرهم كثير.
بل هناك ما يشير إن أن روايات التحريف لم تكن معروفة عند الشيعة في القرن الثالث الهجري فهذا.. الفضل بن شاذان )المتوفي سنة 062) والذي كان من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام يطعن في كتابه الايضاح على أهل السنّة روايتهم لروايات التحريف، وهذا يكشف عن أن ذلك لم يكن معروفاً حتى عند المحدثين من الشيعة ذلك الوقت وإلا لما صح أن يطعن عليهم بذلك.
ونختم بما ورد في رسالة الإمام الهادي عليه السلام في الرد على أهل الجبر والتفويض أنه
49
قال: " .. وقد اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم أن القران حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرّون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون، مهتدون... " 12.
50
أسئلة حول الدرس
1- يستفاد من القران الكريم والروايات الكثيرة أن القران محفوظ عن التحريف والتلاعب، اشرح ذلك من خلال بعض النماذج والشواهد.
2- القران الكريم متواتر حفظاً وتدويناً، ما هو المقصود بهذه العبادة؟
3- تحدث عن شاهد تاريخي يكشف عن عدم تيسر تحريف القران لمن كان يرغب بذلك؟
4- يزعم البعض وقوع التحريف في القران كما وقع في التوراة والإنجيل وذلك بمقتضى ما ورد من أن ما وقع في الأمم السابقة يقع في هذه الأمة أيضاً، كيف ترد على هذا الكلام؟
5- اشتبه المحدث النوري في موضوع تحريف القران، فما هو منشأ الشبهة التي وردت على ذهنه؟
6- ما هو رأي علماء الشيعة عبر القرون في موضوع تحريف القران؟
هوامش
1- سورة الحجر:9.
2- الطباطبائي، الميزان في تفسير القران، 104 103/12.
3- الخوئي، البيان في تفسير القران، 622.
4- جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله 2671، وفي معناه: المجلسي، بحار الأنوار 80/50 225/2.
5- الكليني، الكافي، 69/1.
6- الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، 46/1.
7- هذا الحديث بألفاظ متقاربة رواه نيف وثلاثون صحابياً، وهو متواتر لفظاً، ويعتبر من أدلة الإمامة. راجع رواته ومصادره في خلاصة عبقات الأنوار للسيد الميلاني الأجزاء الثلاثة الأولى.
8- صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الشهادة عند الحاكم في ولاية القضاء السيوطي، الإتقان، 26 25/2، ومصادر أخرى.
9- السيوطي، الدر المنثور 232/3.
10- نفس المصدر، 269/3.
11- الشريف الرضي، نهج البلاغة، الكتاب 77.
12- ابن شعبة الحراثي: تحف العقول عن ال الرسول، صفحة 854، مؤسسة النشر الإسلامي.
يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 25-03-2017, 05:25 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس السابع : أسباب النزول
نزل القران الكريم على رسول اللّه صلى الله عليه وآله في الفترة الممتدة من البعثة الشريفة إلى وفاته، وكانت الايات التي تنزل في المناسبات والأحوال المختلفة تتعرض لمختلف الأغراض الرسالية، فتارة تنزل الايات أو السور لتبيّن حكماً وتحدد موقفاً يتطلبه الواقع المعاش، وأخرى تجيب على سؤال يرفع إلى الرسول صلى الله عليه وآله وثالثة تعالج مشكلة حاصلة، وقد ينزل من القران ابتداءً ما يبيّن الأحكام والمعارف الإسلامية ويقص القصص ويضرب الأمثلة الأمر الذي يدخل في الأغراض العامة للرسالة.
v القرائن الحاليّة
من المعروف عند أهل العربية أن المتكلم قد يعتمد في مقام التكلّم والتخاطب على قرائن توضح مراده وتشكل جزءاً مهماً من أدوات الخطاب، هذه القرائن لا يمكن إهمالها في مجال تفسير الكلام. وهي على نوعين:
1- قرائن مقاليّة: من نفس اللفظ.
2- قرائن حالية، كالإشارات والحركات وحال المخاطب والواقع الحاصل والظرف المحيط بالمتكلم أو المخاطب.
فإن المتكلم عندما يورد جملة استفهامية مصدرة بهمزة الاستفهام مثلاً، قد يكون غرضه الاستفهام الحقيقي وقد يكون غرضه التقرير وقد يكون غرضه غير ذلك من الانكار والتعجب وأمثالها. ولا يمكن التمييز بين الأغراض المختلفة هذه إلا من خلال القرائن الحالية غالباً والمقالية أحياناً.
والمناسبات التي كانت تنزل فيها الايات تشكل قرائن حالية تحيط بالنص وتلقي ضوءاً
51
على المراد منه، وهو أمر يجعل لأسباب النزول أهميّة خاصة في فهم الايات. حيث أن معرفة الزمان والمكان وسائر الظروف المحيطة بالنص لها أثر في إماطة اللثام عن مكنونات المراد. وهذا أمر لا يقتصر في نطاق فهم القران الكريم وإنما هي قاعدة تجري في كل تخاطب، كالحديث النبوي وكلام المعصومين أيضاً، ومن هنا كان بالإمكان أن يقال إن دراسة السيرة النبوية وخصوصيات المجتمع المكي والمدني وتفاصيل الأحداث التي عاصرت النص لها مدخلية كبيرة في فهم النص. ولا نعني بذلك أن نكتفي بقراءة التاريخ أو السيرة ونفسر القران على ضوء ذلك، فإن دراسة السيرة يعني التدقيق فيها والوصول إلى الحقائق التاريخية وما هو الصحيح من سيرته صلى الله عليه وآله .
ولعل أسباب النزول هي حلقات ومحطات من تلك السيرة والوقائع التاريخية، لا بد من معرفتها بدقة بعيداً عن الخلفيات المسبقة.
v الدّس في أسباب النزول
لقد تعرضت مناسبات النزول كما تعرض التاريخ ككل للدّس والتشويه، وذلك لأغراض عديدة، منها ما كان لأغراض سياسية تهدف إلى تزييف الواقع لصالح الحكام، ولا شك أن نزول اية في شخص معين يعني الشي‏ء الكثير في هذا المجال.
ومن تلك الأغراض ما يرتبط بتحريف معاني القران لتتناسب مع الأهواء والمذاهب. وهذا يجعل من دراسة أسباب النزول مهمة شاقة، تحتاج إلى تحقيق وتدقيق في سند الروايات، الناقلة لأسباب النزول، ولا بد من تطابق ما ورد في أسباب النزول مع العقيدة الثابتة، ومع سلسلة الحوادث والسير التاريخي حتى تبدو منسجمة تماماً مع بقية المقاطع.
وعليه نحتاج إلى تطبيق قواعد نقد النصوص الروائية.
فأحياناً يُدعى نزول اية في شخص، وبعد التدقيق يتبين أن نزول الاية حصل في زمان تأخر عن ذلك الشخص، أو يروي سبب النزول من لم يكن موجوداً حين نزول الايات كما يحصل مثلاً فيما يروى عن ابن عمر أو ابن عباس أو عائشة في مناسبات النزول في السور المكية الأولى، ليس على نحو الرواية عن الغير والحكاية عنهم بل على نحو الحضور والمشاركة في الحديث.
52
كما أن سياق الكثير مما روي في أسباب النزول يظهر منه أن الراوي لا ينقل المناسب رواية ومشافهة وإنما ينقل قصة تاريخية ثم يطبق الايات عليها ويربطها بها ربطاً، وهذا إن كان يعد حكاية لأسباب النزول فهو مجرد اجتهاد من الراوي.
وعدد كبير من أسباب النزول التي تروى متناقضة فيما بينها، وأحياناً قد تروى عن راوٍ واحد أسباب نزول في اية واحدة متناقضة أو لا يمكن الجمع بينها.
ولقد ساهمت قضية المنع في كتابة الحديث في عصر الخلافة الأول في خلط الأوراق وتضييع الحقائق، وفتحت الباب واسعاً أمام النقل بالمعنى الذي قد يفقد الحديث الكثير من الدقة والخصوصيات، ومهدت الطريق لمن يريد الدس والتلاعب والكذب، وخاصة أولئك المتربصون بالإسلام الدوائر من أهل الكتاب، وما كان هذا الكم الهائل من الإسرائيليات في الحديث إلا نتيجة لهذه المأساة، ولقد نال أسباب النزول قسطاً وافراً من تلك المدسوسات والإسرائيليات.
هذه الأمور دعت الكثير من محققينا إلى التقليل من أهمية أسباب النزول بل إسقاطها عن الاعتبار.
v المنهج اللازم إتباعه في تقييم أسباب النزول
مما تقدم يتبين أنه لا بد من اتباع المنهج التالي قبل الأخذ بأي نص متضمن لسبب نزول اية قرانية:
أولاً: إن القران الكريم هو الأصل الذي ينبغي عرض الأحاديث عليه لتمييز الموافق من المخالف وعلى أساسه نقبل الحديث أو نرفضه.
ثانياً: إن أسباب النزول هي روايات تحكي لنا شأن النزول الذي يساعد على فهم القران وتحديد المراد في اياته.وعليه فلا بد من عرض الأخبار المتضمنة لأسباب النزول أيضاً على القران قبل كل شي‏ء وإسقاط ما كان منها مخالفاً للقران.
والمخالفة هنا لا بد أن تكون لما هو بيّن واضح ومعروف الدلالة. فلا يرد إشكال الدور الذي قد يدعى.
53
ثالثاً: يجري التحقيق في أسانيدها لإثبات صحتها وعدم نقلها عن الوضاعين والضعفاء وإلا فيجري فيها أحكام التعارض.
رابعاً: التأكد من عدم معارضة ما ورد في سبب النزول مع العقيدة الثابتة والصحيحة.
خامساً: التأكد من صحة المضمون تاريخياً وإمكانه، وذلك بتوافقه مع المسار التاريخي للأحداث، ومع زمان نزول الاية.
سادساً: التأكد من عدم معارضة رواية سبب النزول مع غيرها من الروايات.
فما يسلم عندنا من روايات أسباب النزول نستفيد منه في تفسير الايات، لكن اجراء هذه الموازين لن يسلم عندنا منها إلا القليل، ولأجل هذا لم يعلق عليها السيد الطباطبائي رضوان الله عليه الكثير من الأهمية واعتبر أن المعارف القرانية العالمية الدائمة لا تحتاج أبداً إلى أسباب النزول 1.
بينما يخالفه في ذلك الواحدي فيعتبر أنه يمتنع معرفة تفسير الاية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها 2. واعتبر غيره أن معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القران 3.
والحقيقة أن الثروة التفسيرية التي وصلتنا عن أهل بيت العصمة والطهارة أعانت كثيراً المفسر الشيعي، في حين أن المفسر السنّي حرم منها، فلم يعد أمامه بدّ من التشبث بأسباب النزول ونحن لا ننكر العلاقة الوثيقة بين التفسير وأسباب النزول، إلاّ أن ما يروى فيه من نصوص اعتمادها المفسرون الكثير منها ساقط إما سنداً أو لمخالفته للقران والعقائد الثابتة، هذاورغم أنهم ينصّون في بداية الأمر على ضرورة ملاحظة الصحيح من أسباب النزول لكنهم بعد ذلك يخلطون الغث بالسمين ويتشبثون بالسقيم خاصة عندما يكون المورد فيه إثبات فضيلة ومكرمة لأحد من الحكام أو المحسوبين عليهم.
54
v المورد لا يخصص الوارد
ومهما يكن فإن أسباب النزول ليست في حقيقتها وواقعها سوى مناسبات استدعت نزول الاية في وقتٍ ما و ظرفٍ خاص وفي الغالب فإن الايات النازلة في مناسبات خاصة كانت تؤسس لقاعدة عامة أو لحكم كلّي أو يبيّن حقيقة علمية، وهذا يعني أن النازل من القران في تلك المناسبات لا يختص بذلك المورد أو تلك المناسبة، وعليه فإن شأن النزول لا يلعب دوراًفي تخصيص ما نزل عاماً وتقييد ما نزل مطلقاً.
فالقران الكريم وإن نزل في زمان محدّد لكن الخطاب القراني لا يختص بجيل النزول، وهو يخاطب البشرية عامة والأجيال كلها.
فاية الظهار مثلاً نزلت بمناسبة مظاهرة أوس بن الصامت لزوجته خولة بنت ثعلبة كما في رواية أو في غيرهما كما في رواية أخرى إلاّ أن حكم الظهار الذي تضمنته الاية لا يختص بهما ولكنه يجري في كل حالة مشابهة إلى يوم القيامة.
ومثلها اية السرقة والزنا والقذف والحجاب واللعان.
وفي رواية عن الباقر عليه السلام أنه قال: " إن القران حي لا يموت، وإن الاية حية لا تموت فلو كانت الاية إذا نزلت في الأقوام ماتوا ماتت الاية لمات القران ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين " 4.
وروي عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام :" إن القران حي لم يمت وإنه يجري التأكّد من الرواية الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على اخرنا كما يجري على أولنا " 5.
وقد اشتهر بين الفقهاء قولهم أن المورد لا يخصص الوارد، وهم يريدون بذلك المعنى المتقدم ذكره.
v التطبيق والجري
كثيراً ما يوردون الايات القرانية بعد ذكر الحوادث التاريخية لانطباقها عليها، دون
55
دعوى نزولها في شأنها. فيأتي من لا دقة له في النقل فيتخيل نزولها في تلك الواقعة فينقل ذلك.
وأحياناً يرد التطبيق على لسان الرسول صلى الله عليه وآله نفسه أو على لسان بعض الأئمة عليهم السلام، وهذا ينسجم تماماً مع ما قدّمنا من كون الاية تبقى على عمومها وإن نزلت في مناسبة خاصة، وهي تقبل الانطباق على كل مورد يتناوله عمومها وإن حصلا في زمان متأخر عن زمان نزول الاية.
بل ربما ورد تفسير اية لفظ عام بمصداق معين أو واقع خارجي خاص، وهو أيضاً كثير، ومع ذلك فهو لا يعني مطلقاً تخصيص الاية والغاء عمومها، وإنما هو من باب التطبيق والجري. وإلى هذا الأمر يشير باستمرار العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، وهو من التفسير بذكر المصداق الخارجي أو الإشارة إلى أحد الموارد وأنها مقصودة في الاية، لا أنها تمام المقصود.
النتيجة: نظراً لفقدان أكثر ما يروى في أسباب النزول للسند المعتبر أو غيره من شروط القبول فلا يمكن الاعتماد عليها، وبذلك تقل أهمية دراسة أسباب النزول.
ومع ذلك فهي لا تخصص العام ولا تقيد المطلق، فتسميتها بمناسبات النزول أو شأن النزول أولى من تسميتها بالأسباب.
وقد بالغ أهل السنّة بالاهتمام بأسباب النزول وأعطوها دوراً كبيراً في التفسير رغم اضطراب أسانيدها. بينما أثرى التراث التفسيري عند الشيعة ما ورد في المأثور عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام .
v نماذج مدسوسة في أسباب النزول
1- قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ 6.
روى البخاري أنها نزلت في أبي طالب عندما حضرته الوفاة 7 وهو غير صحيح لكون
56
السورة مدنيّة إجماعاً. وتقدم نزول الاية عن السورة مما لا دليل عليه ولا يساعد عليه الاعتبار وهو مبني على مذهبهم من وفاة أبي طالب رضي الله عنه على الكفر وقد ثبت عندنا أنه مات على الإيمان.
وقد روي عندهم رواية أخرى في أنها نزلت في استغفار الرسول صلى الله عليه وآله لوالدته 8.
2- قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ...﴾ 9.
رووا في الصحيحين 10 أنها نزلت لما سأله اليهودي عن الروح، ويفترض أن يكون السؤال في المدنية لأنه هناك جاور اليهود وجرى له معهم الكثير من المناظرات، بينما السورة مكية بالإجماع، فالسؤال إذن ينبغي أن يكون من قبل المشركين في مكة، ولا مانع أن يكون بتوجيه من اليهود.
3- قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ 11.
رووا في سبب نزولها 12 أن جماعة من كبار الصحابة كانوا قد دعاهم رجل إلى طعام فأكلوا وشربوا فلما ثملوا وجاء وقت الصلاة قدّموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ: " أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد " فنزلت الاية. وقد ذكر بعضهم أن صاحب الدعوة هو عبد الرحمن بن عوف، وإن من بينهم علي عليه السلام ، وأن الذي تقدم للصلاة هو علي أو عبد الرحمن، وهو لا يصح حتى مع القول بأن القصة قبل تحريم الخمر، لأن علياً عليه السلام لم يعاقرها أبداً، ولأن مقتضى العصمة عدم إمكانية ذلك وعدم إمكانية خطأ القراءة عليه خاصة في مثل هذه المواضع التي لا يمكن أن تبرر بعدم تحريم الخمر، بالإضافة إلى أن النهي عن الخمر جاء في سورة الأعراف وهي مكية. فالقصة من وضع الكذابين زمن الأمويين لإرضاء أمرائهم الحاقدين على علي عليه السلام وقد فسر في روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام بأنه سكر النوم 13.
57
أسئلة حول الدرس
1- لماذا كانت لأسباب النزول أهمية خاصة في فهم الايات؟
2- ما هي الأسباب التي جعلت المحققين يقللون من أهمية أسباب النزول ويسقطونها عن الاعتبار؟
3- لماذا لا تعتبر مشكلة عدم التثبت من أسباب النزول سداً منيعاً بوجه المفسر الشيعي، بينما هي كذلك بالنسبة للمفسر السني؟
4- هل يختص القران بالمناسبة التي نزل فيها بحيث يكون الخطاب القراني في زمان محدد مختصاً بذلك الجيل المعاصر؟
5- أعطِ نموذجاً من النماذج المدسوسة في أسباب النزول.
هوامش
1- الطباطبائي، القران في الإسلام، 154 153.
2- الواحدي النيسابوري، أسباب النزول، 7.
3- حكاه السيوطي عن ابن دقيق العيد: الإتقان 1/92، وقريب منه عن أبي الفتح القشيري حكاه الزركشي: البرهان، 1/22.
4- المجلسي، بحار الأنوار، 430 35.
5- المصدر نفسه، 430 35.
6- سورة التوبة:113.
7- الواحدي، أسباب النزول 281، والبخاري كتاب الجنائز باب 18، ومناقب الأنصار باب04.
8- الواحدي، أسباب النزول، 381.
9- سورة الإسراء:85.
10- صحيح البخاري كتاب الإعتصام باب 8 3 وكتاب العلم باب 47.
11- سورة النساء:43.
12- راجع تفسير الكشاف للزمخشري 513 1 وما ورد في الهامش.
13- الكليني، الكافي 371 3 الحر العاملي، وسائل الشيعة 291 233/7.
يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 25-03-2017, 05:25 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس الثامن : النسخ في القران
v تعريف النسخ
استعمل النسخ في اللّغة بمعنى الإزالة، فقالوا: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. وفي الشريعة يطلق النسخ على رفع الحكم الشرعي الذي كان ثابتاً في الشريعة بحيث أنه لولا النسخ لاستمر بمقتضى دليله. فهو إذن رفع تشريع سابق بتشريع لاحق.
ولتوضيح الأمر نقول:
إن الأحكام الشرعية بعضها قد يشرّع بصورة مؤقتة أي له أمد ينتهي الحكم بانتهائه، وبعضها الاخر قد يشرّع دون أن يكون له أمد وإنما هو حكم مستمر وباقٍ.
والقسم الأول تارة يبيّن أنه مؤقت في لسان دليله بحيث يُعلم أن هذا الحكم مؤقت منذ البداية. وأخرى لا يبيّن لنا في لسان دليله أنه مؤقت بحيث يكون ظاهر الدليل ولو من خلال إطلاقه أنه حكم ثابت ومستمر.
هذا النوع الأخير من الأحكام هو موضوع بحثنا، فإنه عند انتهاء أمد الحكم يرد من قبل الشريعة بيان جديد لحكم جديد يلغي الأول وينسخه، فيسمى الأول حكماً منسوخاً والجديد ناسخاً.
كما أن دليل الحكم الجديد ناسخ لدليل القديم لأنه مزيل له أو لتأثيره ومضمونه.
يقول اللّه تعالى في محكم كتابه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا...﴾ 1.
ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ 2، ومن المعلوم أن هاتين الايتين تثبتان إمكانية النسخ.
59
وعليه: فإن ارتفاع الحكم أو التشريع المؤقت صراحة في لسان الدليل عند انتهاء أمده لا يطلق عليه اسم النسخ. كما أن ارتفاع الحكم الأولي عند مصادفة الحرج والاضطرار الذي هو موضوع لحكم ثانوي لا يطلق عليه اسم النسخ أيضاً، كما في ارتفاع حرمة أكل الميتة عند اضطرار الإنسان له أو الصلاة من جلوس أو بالإيماء عند عدم القدرة على الصلاة الاختيارية، وأمثال ذلك.
v حكمة النسخ
في القوانين البشرية الوضعية كثيراً ما تصدر المراسيم والمقررات فتغيّر الدستور السابق الثابت أو القانون، وعادة يكون الداعي إلى ذلك أحد أمور:
1- إما اكتشاف عدم صلاحية القانون أو الدستور السابق ووجود ثغرات فيه تحتاج إلى علاج جديد.
2- أو تتغيّر وجوه المصلحة والمفسدة نتيجة تجدد بعض الظروف أو الأوضاع التي تجعل القانون السابق لا يلائم المستجدات، مما يلزم تغيير القانون بما يتناسب مع الوضع الحالي، ومع ذلك فإن واضعي القانون السابق لم يكن في علمهم أن المستجدات ستحصل لتعالج منذ البداية في القانون السابق.
والأمر الأول لا يتصور مطلقاً في النسخ الشرعي لأنه تعالى منزه عن الجهل وعن العبث، بل هو لا يضع شرعة ولا حكماً إلا حسب مقتضى المصالح التي هو أعلم بها، ولا تخفى عليه خافية.
وأما الأمر الثاني فإن اللّه تعالى عالم بالأشياء قبل حدوثها فهو حسب الفرض عالم بالمتغيرات والمستجدات، فكان المفروض أن تؤخذ بنظر الاعتبار عند التشريع منذ البدء.
هذان الأمران دفعا بعض المشككين إلى انكار إمكانية النسخ.
ولكنّ الاشكال يرتفع إذا أدركنا أن المصلحة المقصودة في مِلاك الحكم أحياناً لا تكون قائمة في نفس الفعل، بمعنى أن الغاية والحكمة من الأمر والنهي قد تكون لمجرد الامتحان والاختبار وهذا النوع من الأحكام لا مانع من وضعه ورفعه في أي وقت يترتب على الأمر مصلحة الامتحان والاختبار، بل أحياناً تكون مصلحة الامتحان أقوى من
60
المفسدة المترتبة على الفعل أو أقوى من مصلحة فعل اخر يزاحمه فيترك لصالح هذا الحكم.
وأحياناً تكون المصلحة في نفس الفعل والمفسدة كذلك، إلاّ أنه يمكن أن تتغير بحسب اختلاف الأزمان، فيكون هناك زمان ذا مصلحة تنتفي في زمان اخر، وإذا كان التغير مجهولاً عند البشر فهو معلوم عند اللّه تعالى بلا شك، ومع ذلك لا يلزم أن يكون التشريع منذ البداية مراعياً للتغيرات، إذا كان في قصد المشرّع أن ينسخ الحكم عند تبدل المصلحة وتغيّر الأحوال.
وهناك أمور أخرى قد تكون أحياناً لها مدخلية بتحقق المصلحة والمفسدة، كالتدرج في التشريع الذي له مصلحة خاصة تكون أحياناً أهم من المفسدة الحاصلة بترك الواقع.
ومثال الأول: القبلة.
يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ 3
ومنه يظهر أن القبلة الأولى لم تكن إلا للامتحان.
ومثلها أيضاً اية النجوى. يقول تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ 4.
فقد ورد أنه صلى الله عليه وآله بعد نزول الاية فرض على كل مسلم صدقة درهماً واحداً عند كل مسألة فرضاً على الأغنياء دون الفقراء، وقال المفسرون لم يعمل بهذه الاية إلا علي عليه السلام رغم أنه كان من الفقراء.
ثم نسخت الاية بعد تحقق الاختبار المطلوب بالاية اللاحقة.
ومثال الثاني: عدد المقاتلين.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ...﴾ 5.
61
ثم قال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ ﴾ 6.
قال الإمام الصادق عليه السلام : " فنسخ الرجلان العشرة " 7.
ومثال الأحكام المؤقتة منذ البداية قوله تعالى: ﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ 8.
فقد جعل اللّه لهن السبيل في اية الجلد وفي حكم الرجم وهذا مبني على أن المراد من الفاحشة الزنا، وإلا فلو كان المراد الأعم منه ومما يقبح ويفحش فالحكم الأول باقٍ والثاني مجرد تخصيص له.
وأمثلة الأحكام التي فرضت لأغراض تأديبية وفي سياق المعاقبة كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ 9.
﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا ﴾ 10.
إلى هنا تبيّن معنا إمكانية النسخ وعدم منافاته لحكمة المشرّع وعلمه المطلق. وتبيّن معنا أيضاً أنه قد تقتضي الحكمة إخفاء التوقيت وإطلاق لسان الدليل، لينسخ الحكم عندما يتحقق المقتضي لذلك.
v الفرق بين النسخ والتخصيص
الأحكام الشرعية يمكن أن تُبيَّن في بداية الأمر بلفظ عام في دليل، ثم يرد في دليل اخر تخصيص لتلك الأحكام. كما إذا ورد دليل يقول: أطعم الفقراء أو أطعم كل فقير، ثم جاء دليل اخر يقول لا تطعم الفساق من الفقراء، وحكمة التدريج في التشريع أو في بيان الأحكام هي التي قد تقتضي تأجيل البيان إلى وقت الحاجة.
62
وربما كان الدليل الأول في مقام بيان أصل التشريع دون تفصيلاته، بينما يترك أمر التفاصيل إلى أدلة لاحقة في السنّة النبوية الشريفة.
والنتيجة:
إن التخصيص هو إخراج جزء من الموضوع أو بعض أفراد موضوع الحكم العام، وأما النسخ فهو إلغاء الحكم الذي كان ثابتاً في زمانٍ سابق إلغاؤه في الزمان اللاحق.
v وقوع النسخ في القرآن
هناك ايات كثيرة جداً ادعي أنها منسوخة بايات أخرى، لكن التدقيق فيها يكشف عن عدم دخولها تحت النسخ الاصطلاحي، إما باعتبار اختلاف الموضوع أو باعتبار الانسجام التام بينها وعدم التنافي، أو لكونها تدخل في باب التخصيص، أو لأن الحكم الأول مقيد بالزمان والأمد المحدود من البداية، أو لغير ذلك من الاعتبارات التي تخرجها من باب النسخ.
وقد أورد السيد أبو القاسم الخوئي 6 3 اية من الايات التي ادعي أنها منسوخة وبعد البحث والتدقيق فيها خرج أغلبها من باب النسخ لأحد الاعتبارات المتقدمة 11.
ومهما يكن فإن نسخ الاية لغيرها ينبغي أن يتوفر فيه أمور:
1- وحدة الموضوع في الايتين.
2- التنافي في الحكم ليكون أحدهما رافعاً للاخر.
3- عدم كون الاية المنسوخة مقيدة بأمد خاص، أو مشروطة بظرف عين.
أما نسخ القران بالسنّة النبوية الشريفة فهو ممكن شرط أن يرد الناسخ متواتراً قطعياً فالقران لا ينسخ بخبر الواحد، بل اللازم عند تعارض الخبر مع الكتاب أن يطرح ويسقط عن الاعتبار لأننا أُمرنا بعرض الأحاديث عليه، والأخذ بما وافقه واسقاط ما خالفه، فكيف يمكن نسخ الكتاب بخبر واحد، ولو تم ذلك لما بقي لنا من أحكام القران الكريم بشي‏ء.
63
والسنّة القطعية الناسخة للقران إن لم تكن نادرة فهي غير موجودة، لكن ذكرنا ذلك التزاماً بالإمكان العقلي وعدم المانع لو وجدت.
v نسخ التلاوة
ما تحدثنا عنه من النسخ كان يتناول نسخ الحكم الوارد في اية قرانية مع بقاء الاية واتصافها بالقرانية، وهو المقصود عادة من كلامهم.
لكن ادُّعيَ أن ايات من القران نسخت تلاوتها أي أزيلت من القران فهي لا تتلى وربما بقي حكمها وربما لم يبق. وهذه الدعوى التزم بها أهل السنّة نتيجة روايات عديدة رويت من طرقهم تتحدث عن ايات من القران كانت تتلى ولكنهم لا يجدونها في القران وكان لا بد لهم أمام هذه الروايات من التزام أحد أمرين:
الأول: سقوط تلك الروايات عن الاعتبار وإهمالها والحكم عليها بالكذب.
الثاني: الالتزام بطرو النقص على القران وذهاب جزء منه انسجاماً مع مدلول تلك النصوص.
وكلا الأمرين كان محرجاً لهم:
فالأول: يقتضي التنازل عن اعتبار روايات وردت في كتب حكموا عليها بالصحة ونالت درجة كبيرة من القدسية عندهم حتى عدّوا لقراءتها من الفضل والاستحباب والبركة ما يأتي بعد القران مباشرة.
والثاني: لا يمكن الالتزام به لأنه يخالف الضرورة التاريخية وتواتر القران الكريم وإجماع المسلمين على سلامته من التحريف.
ولأجل التخلص من هذا المأزق ابتكروا مقولة " نسخ التلاوة" ، ومفادها أن هذه الايات كانت قراناً ولكن اللّه سبحانه وتعالى نسخها فخرجت بذلك عن صفة القرانية مع بقاء حكمها.
والحقيقة أنّ هذه الدعوى لا دليل عليها أصلاً، ولم يوردوا ما يدل على ذلك إلاّ تلك الروايات التي مؤدّاها التحريف المرفوض.
ولأجل ذلك رفض أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام نسخ التلاوة رفضاً باتاً ورفضوا
64
الروايات الدالة على سقوط شي‏ء من ايات القران وعدوها من روايات التحريف المرفوضة كما تقدم الإشارة إليه، هذا بقطع النظر عن رواتها وناقليها.
والعجيب عدم الالتفات إلى أن ما يدعى أنه كان من القران ونسخت تلاوته يحمل معه دليل سقوطه وكذبه نظراً لعدم توفر النظم القراني والبلاغة القرانية في شي‏ء منه.
65
أسئلة حول الدرس
1- ما هو المعنى المقصود من النسخ في القران؟
2- ألا يلزم من النسخ نسبة الجهل إلى اللَّه تعالى؟ أوضح ذلك من خلال المثال؟
3- كيف تفرق بين النسخ والتخصيص؟
4- هل يوجد في القران ناسخاً ومنسوخاً، وهل يُنسخ القران بالسنّة النبوية الشريفة؟
5- كيف ترد على دعوى أن في القران ايات نسخت تلاوتها؟
هوامش
1- سورة البقرة: 106.
2- سورة النحل: 101.
3- سورة البقرة: 143.
4- سورة المجادلة: 12.
5- سورة الأنفال: 65.
6- سورة الأنفال: 66.
7- المجلسي، بحار الأنوار, 126 70 236/47.
8- سورة النساء:15.
9- سورة النحل: 124.
10- سورة النساء: 160.
11- الخوئي، البيان في تفسير القران، 381 287.

الرد مع إقتباس
قديم 25-03-2017, 05:26 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس التاسع : المحكم والمتشابه في القران

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ 1.

الإحكام في اللغة معناه الاتقان، ويوصف به الكلام إذا كانت دلالته على المراد واضحة بحيث لا تحتمل وجوهاً أخرى من المعاني، ومن هنا كان المحكم هو الذي لا تعتريه شبهة من حيث الدلالة ولا يتعدد فيه احتمال المعنى.

وأما التشابه فهو مأخوذ من تشابه الوجوه أي تماثل بعضها مع البعض الاخر، بحيث يحتمل وجوهاً متعددة من المعاني. ومن ثم كان المتشابه ما فيه شي‏ء من الخفاء، فكان ظاهره لا ينبى‏ء بنفسه عن المراد، ما لم يرجع إلى معونة القرائن والدلالات الخارجية الموجودة في ايات أخرى أو في الروايات الواردة عن أهل بيت النبوة عليهم السلام الكاشفة عن الدلالة الصحيحة أو المعنى المراد.

إذن فالمتشابه بحاجة إلى التأويل والارشاد إلى الوجه المتعين من الوجوه المحتملة، وإذا أُرجعت المتشابهات إلى المحكمات ارتفعت جميع جوانب الإبهام والتشابه أو كثير منها.

والاية الشريفة تتحدث عن مرضى القلوب وطلاب التحريف المعنوي الذين يريدون استخدام القران الكريم وسيلة للوصول إلى ماربهم الخبيثة فيلجأون إلى المتشابهات، وأما التمسك بالمتشابهات بالطريقة الصحيحة وعلى أساس ارجاعها إلى المحكمات التي

66

تفسرها، أو الرجوع إلى الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويلها، فإن ذلك جائز لا ريب فيه.



v حكمة المتشابه في القرآن

من المعلوم أن القران كتاب هداية، والمتشابه قد يوقع الإنسان في الالتباس والشبهات لعدم وضوح معناه وتعدد الاحتمالات فيه، فما الحكمة في وجود المتشابه في القران؟

والجواب: أن القران الكريم تصدى لبيان أمور كثيرة غير محسوسة ولا يمكن تصويرها ولا التعبير عنها بالطريقة المتعارفة إلا إذا استعين بالمجازات والاستعارات والكنايات، وتقريب تلك المعاني بتشبيهها بالمحسوسات، وذلك لأمرين:

1- ضيق العبارات، وعجز الألفاظ.

2- عجز الأذهان البشرية الساذجة عن إدراك تلك المعاني إما لدقتها أو لخفائها عن غير أهلها. ولا يعني ذلك أبداً خروج القران الكريم عن كونه كتاب هداية وبيان ونور، ولا ينافي ذلك أبداً وجوب التدبّر في اياته والغوص في أعماقه واستخراج مكنوناته، فإن الطريق إلى معرفة المعاني المقصودة في الايات المتشابه مفتوح وذلك عن طريقين:

الأول: رد المتشابه إلى المحكم، وتفسيره على ضوء ما هو مبين في الايات المحكمات، فهي التي تحدد المقصود وتبيّن المراد.

والثاني: بالرجوع إلى الراسخين في العلم: الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته المعصومين عليهم السلام ورثة علمه وباب مدينته وخزان وحيه.

وقد ورد في الحديث عن الباقر عليه السلام : " إنما يعرف القران من خوطب به " 2.

فالمتشابه، ليس متشابهاً بقول مطلق، لأن تشابهه مرتفع عند أهله، وقد ورد في الأثر عن الإمام الصادق عليه السلام : " المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله " 3.

فقوله عليه السلام : "على جاهله" يدل على أنه غير متشابه عند العالم به وهم الراسخون في العلم.

67

وفي الرواية عن الإمام الرضا عليه السلام : " من رد متشابه القران إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم " 4.

ومن هذه النصوص نستفيد أن الايات المتشابهة هي الايات التي لا تستقل في مدلولها بل لا بد من ردّها إلى الايات المحكمة.

يقول العلامة الطباطبائي: " وعليه ليس في القران اية لا نتمكن من معرفة معناها، بل الاية إما محكمة بلا واسطة كالمحكمات نفسها، أو محكمة مع الواسطة كالمتشابهات..." 5.

واختصاص معرفة معاني القران بالراسخين في العلم لا يمنع معرفة بعض مراتب المعنى بما يتناسب مع مستوى إدراك القارى‏ء المتدبّر في القران، وإلا فمراتب المعنى عديدة وكثيرة تختلف عمقاً ولا يمكن إدراك مداها إلا لمن خص بالمنزلة العليا من الكمال البشري وهم الراسخون في العلم. وهذا لا علاقة له بالإحكام والتشابه وإنما هو يجري في كل اية من ايات الكتاب.

وقد ذهب السيد العلامة الطباطبائي إلى أن سبب وقوع التشابه في القران يعود إلى كون القران الكريم يخضع في إلقاء معارفه العالية لألفاظ وأساليب دارجة لم تكن موضوعة لسوى معانٍ محسوسة أو قريبة منها، ومن ثم لم تكن تفي بتمام المقصود، إلا بارتكاب الكنايات والمجازات فوقع التشابه فيها وخفي وجه المطلوب إلا على أولئك الذين نفذت بصيرتهم وكانوا على مستوى رفيع من العلم 6. وهذا قريب مما قدّمناه.

وفي هذا المجال يقول الشيخ محمد عبده:

" إن الأنبياء بعثوا إلى جميع أصناف الناس من دانٍ وشريف وعالم وجاهل وذكي وبليد، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة يفهمها كل أحد، ففيها من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى اللّه والوقوف عند حد المحكم فيكون لكلٍّ نصيبه على قدر استعداده" 7.

68

v أهل الزيغ والمتشابهات

الناس ثلاثة أصناف:

1- الراسخون في العلم ومن هو على خطاهم، وهؤلاء لا تشابه عندهم كما قدمنا لأنهم يدركون التأويل ويأخذون المتشابه بالاسلوب الصحيح فيرتفع التشابه.

2- عوام الناس الذين قد لا يلتفتون إلى الشكوك العارضة والاحتمالات المتعدّدة، وهم يستفيدون من المتشابه حسبما يردهم من الراسخين في العلم، أو لا يقعون فريسة المشكلات المترتبةعلى الأخذ بالمتشابه من أصل.

3- أهل الجدل والمذاهب الكلامية الذين يخوضون في الاحتمالات على غير هدىً، ويوقعون الناس في التشكيكات والانحرافات.

وهذه الطبقة الأخيرة على قسمين:

الأول: أهل الظاهر الذين يقفون عند ظاهر اللفظ دون الاهتمام بما ينتج عن ذلك من مخالفة صريحة للمحكمات، والالتزام بما لا ينسجم مع العقائد الأساسية الثابتة بالعقل والنقل.

الثاني: أهل الزيغ ومرضى القلب الذين تحدثت عنهم الاية، فهؤلاء يتعمدون التحريف والتأويل والتصرف في المعاني بحسب أهوائهم.

ولقد تسبب أهل الزيغ في خلق حالة التشكيك والخفاء في الايات المتشابهة نتيجة الخوض في الشبهات والسجالات الكلامية، وأبعدوا بذلك المعاني القرانية عن متناول الأيدي بالنسبة للكثيرين.

ولأجل ذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي ابن عباس عندما بعثه إلى الخوارج للاحتجاج عليهم: " لا تخاصمهم بالقران فإن القران حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً " 8.

والاية الشريفة لم تنه عن أخذ التشبه من القران كما توهم البعض وإنما ذمّت الذين يلجأون إلى التشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل بما يتناسب مع أغراضهم الدنيئة. أما

69

العمل بالمتشابه بعد ردّه إلى المحكم أو رفع تشابهه عن طريق الرجوع إلى الراسخين في العلم، فهو مما لا ريب فيه ولم ينه عنه القران ولا منع منه.

فالقران " يشهد بعضه على بعض وينطق بعضه ببعض " 9 كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام.


v التأويل في القرآن

التأويل: مأخوذ من مادة ال إذا رجع، فكأن التأويل ارجاع اللفظ إلى معناه المراد واقعاً. قال الخليل الفراهيدي: التأوّل والتأويل: تفسير الكلام الذي تختلف معانيه ولا يصح إلاّ ببيان غير لفظه 10. وهذا هو المقصود في الاية التي تعرضت لتأويل المتشابه.

وقد وردت مادة التأويل في القران 71 مرة.

إثنان منها في تأويل المتشابه كما في سورة ال عمران 7.

وأربعة منها في تأويل الأحلام كما في سورة يوسف 100,45,44,36.

وثلاثة منها في تأويل الأحاديث كما في سورة يوسف 101,21,6.

وثلاثة منها في بيان السر في الأفعال أو الأشياء كما في سورة الكهف 82,78 ويونس 39.

وثلاثة بمعنى نفس العين والحقيقة الخارجية كما في سورة الأعراف 53 ويوسف37.

واثنان بمعنى المال والمرجع كما في سورة النساء 59 والإسراء 35.

ويمكن ارجاع الجميع إلى معنى واحد وهو كشف ما كان غامضاً في فعل أو لفظ أو غيب. وهذا ينسجم مع المعنى اللغوي المأخوذ من الأول.

وأما في لسان المفسرين فهناك ثلاثة استعمالات للتأويل:

الأول: تأويل المتشابه وبيان الوجه فيه والمعنى المراد منه وهو مختص بالايات المتشابهة.

الثاني: بمعنى التفسير سواء كان اعتماداً على مداليل الألفاظ أو غيرها من الوسائل والطرق، وهذا أعم من الاستعمال السابق.

70

الثالث: بيان العاني الباطنة للقران الكريم، فإن القران على ما ورد في الأثر له ظهر وبطن، بل بطون متعددة.

فعن رسول اللّه صلى الله عليه وآله: " ليس من القران اية إلا ولها ظهر وبطن وما من حرف إلا وله تأويل، وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم " 11.

وسئل الباقر عليه السلام عن هذه الرواية فقال: " ظهر وبطن هو تأويلها، منه ما قد مضى ومنه ما لم يجى‏ء... ونحن نعلمه " 12.

وعن رسول اللّه صلى الله عليه وآله: " فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقران... وله ظهر وبطن ظاهره حكمة وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق " 13.

أما أنه لماذ كان القران بهذه الكيفية؟ فلأنه تبيان كل شي‏ء، ولا يمكن بيان كل شي‏ء لكل أحد، نظراً لاختلاف مستويات الناس من حيث القدرة على الادراك، فمنهم من لا يدرك حتى الظاهر منه ومن العلماء من يقتصر على إدراك الظاهر لأنه يعجز عن خوض غمار الباطن، ومنهم من ينكشف أمامه بعض مراتب الباطن وطبقاته، ومنهم الراسخون في العلم الذين أوغلوا فيه وسيروا أعماقه، وهذا من وجوه الاعجاز في القران حيث يخاطب الناس كلهم على اختلاف مداركهم بكلام واحد يتضمن مستويات من العلم والحكمة والمعارف.

فالقران كله نور وبيان وهدى، والخفاء الحاصل من بطونه ناشي‏ء من قصور في مداركنا وعقولنا المحدودة، وليس من قبل القران نفسه.


v الراسخون في العلم

تشير الاية المتقدمة في مستهل الفصل إلى اختصاص معرفة التأويل باللّه والراسخين في العلم. لكن الذين وضعوا علامات الوقف في القران الكريم أثبتوا عند لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿ وما يعلم تأويله إلا اللّه ﴾ وقفاً لازماً، ليجعلوا ما بعد لفظ الجلالة كلاماً مستأنفاً في محاولة لتخصيص معرفة تأويل المتشابهة باللّه عزّ وجلّ واغلاق باب الوصول

71

إليه على البشر جميعاً، جموداً على المتشابه وسداً لباب التأويل، ولا نشك بأن الدافع الأساس لهذا الأمر هو الحسد لأهل البيت عليهم السلام الذين ورد أنهم هم الراسخون في العلم.

والحقيقة أن هذا العمل يفتح المجال أمام التساؤل عن فائدة ادراج الايات المتشابهة في القران الكريم مع كونها لا يعلم تأويلها إلاّ اللّه، وكيف يمكن أن يكون الكتاب كل الكتاب كتاب هداية وبيان، وكيف يمكن الأمر بتدبر اياته كل اياته.

فالصحيح أنّ ﴿ الراسخون في العلم ﴾ معطوفة على " اللّه " في الاية، فهم يعلمون بتعليم منه بلا شك تأويل المتشابه بل البطون العميقة للقران الكريم. وليس هناك أي اشكال نحوي في جعل جملة " يقولون امنا به " مستأنفة، فاعلها يعود إلى الراسخين أنفسهم.


v أما من هم الراسخون؟

يقول الإمام الباقر عليه السلام كما في الرواية: " إن رسول اللّه صلى الله عليه وآله أفضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما أنزل اللّه من التنزيل والتأويل، وما كان اللّه لينزل عليه شيئاً لم يعلمه تأويله " 14.

وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: " إن اللّه علم نبيه التنزيل والتأويل فعلم رسول اللّه صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام وعلمنا واللّه " 15.

وأما الروايات التي تصرح بأن أئمة أهل البيت عليهم السلام هم الراسخون في العلم فكثيرة ومستفيضة.


نماذج من الايات المتشابهات

1- قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 16.
وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ 17 .

72

وأمثال هذه الايات التي عبرت بالاستواء.

ولا شك أن الاستواء على العرش بمعنى الجلوس عليه غير جائز عليه تعالى، فلا بد من حملها على معنى السيطرة والاستيلاء والقدرة، وهو معنى نستفيده من الاية الشريفة: ﴿ليس كمثله شي‏ء﴾ ، وما ورد في كلام أمير المؤمنين عليه السلام : " ... ومن قال: فيم؟ فقد ضمّنه، ومن قال: علام؟ فقد أخلى منه... " 18.

ولكن الذين عجزوا عن التأويل توهموا عدم اطلاع أحد غير اللّه عليه، فقالوا كما روي عن مالك بن أنس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى؟فأجاب بعد أن أطرق برأسه: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالاً...

ثم أمر بالرجل فأخرج من المسجد 19.

وهذا النوع من الاستعمال المجازي معروف عند العرب، قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق 20

2- قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ 21.

فإن النظر هنا ليس نظر الجارحة ولا نظر الرؤية، وذلك لقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ 22.

والمؤسف أن الغفلة والجمود دفعا البعض إلى مخالفة صريح هذه الاية المحكمة تمسكاً بالمتشابه في الاية السابقة فادعوا إمكان رؤية اللّه تعالى، مع أن النظر لا يلزم منه الرؤية ومع ذلك يمكن حمله على النظر إلى رحمة اللّه تعالى وجميل وعده نظر انتظار.

3- قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء ﴾ 23.
وقوله تعالى: ﴿يد اللّه فوق أيديهم﴾ 24.

73

ومن الواضح أنه لا يمكن إرادة الجارحة لأنه من التجسيم الباطل، وإنما المراد يد القدرة، وفي الاية الأولى المقصود نفي العجز عن التصرف بما يشاء.

74

أسئلة حول الدرس

1- اشرح معاني الإحكام والتشابه؟
2- ما هو الطريق إلى معرفة المعاني المقصودة في الايات المتشابهة؟
3- ما هو المقصود من الذين في قلوبهم زيغ؟
4- اشرح المعاني التي استعمل فيها التأويل، وبيّن السبب في أن القران له ظاهر وله باطن؟
5- من هم الراسخون في العلم?
-6 أعطِ نموذجاً من نماذج الايات المتشابهة.

هوامش

1- سورة ال عمران:7.
2- المجلسي، بحار الأنوار، 64/943 42/732، الكليني، الكافي، 8/113.
3- المجلسي بحار الأنوار، 93 69 تفسير العياشي، 1/261.
4- المجلسي، بحار الأنوار، 2/581.
5- الطباطبائي، القران في الإسلام، 49.
6- الطباطبائي، الميزان في تفسير القران، 62 58 3 باختصار.
7- محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 3/071.
8- الشريف الرضي، نهج البلاغة الوصية، 77.
9- المجلسي، بحار الأنوار، 22/92 الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 131.
10- الخليل بن أحمد، كتاب العين، 8/963.
11- المجلسي، بحار الأنوار، 33/551.
12-المجلسي، بحار الأنوار، 32/791.
13-المجلسي، بحار الأنوار، 29/71.
14-المجلسي، بحار الأنوار، 80/92 199 192/23 130/17.
15-المجلسي، بحار الأنوار 62/371، وقريب منه في43/330.
16-سورة طه، الاية/5.
17-سورة الأعراف:54، يونس:3، الرعد:2، الفرقان:59.
18-الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة الأولى.
19-لسيوطي، الدر المنثور 3/19.
20-ابن منظور، لسان العرب، 41/414.
21-سورة القيامة:23.
22-سورة الأنعام:103.
23-سورة المائدة:64.
24-سورة الفتح:10.


يتبع

الرد مع إقتباس
قديم 25-03-2017, 05:27 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,581

آخر تواجد: 17-06-2017 03:16 PM

الجنس:

الإقامة:

الدرس العاشر: الإعجاز القراني

الاعجاز في المصطلح الذي نبحث هنا عنه هو أن يأتي المدّعي لمنصب من المناصب الإلهية (كالنبوّة) بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره من البشر كشاهد ودليل على صدقه.

وعليه فعناصر المعجزة هي:

1- عجز البشر عن الاتيان بمثلها.

2- أنها خرق لقوانين الطبيعة العروفة.

3- عدم استحالتها عقلاً.

4- أن تكون في سياق اثبات صدق مدعي النبوة أو غيرها من المناصب الإلهية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المعجزة لا تلغي قانون العلية ولا تخرج عنه، وإنما هي تستند إلى علة غير العلل المعروفة والطبيعية عند البشر.ولو كانت إلغاءً لقانون العلية لاستحالت عقلاً، وعندئذ يسقط عنصر مهم من عناصر المعجزة.فولادة إنسان من غير أب لا يستحيل عقلاً، لأنه خالق الإنسان الذي أوجده وخلقه من طين إبتداءً بإمكانه خلقه من غير أب بالأولوية، لكن المعتاد في الأسباب والقوانين الطبيعية أن يولد الإنسان من أبوين، فإذا ولد عيسى من غير أب كان خرقاً لنواميس الطبيعة المتعارفة والمعتادة، لكن علة الخلق وأسبابه محفوظة بتمامها.

وهكذا كلامه في المهد واحياؤه الموتى وأمثال ذلك.

75

v الهدف من المعاجز

قد ينحصر الطرق أمام بعض الناس في اثبات صدق مدّعي النبوة بالإتيان بالمعجز، لكن البعض الاخر من الناس قد يتمكن من معرفة صدق النبي والركون إليه والاطمئنان إلى صحة دعواه دون حاجة إلى معجز.

فلم يكن أمير المؤمنين عليه السلام بحاجة إلى معجزة الرسول صلى الله عليه وآله من أجل الإيمان به وتصديقه بل الثابت أنه امن وصدّق وتيقن دون انتظار، وكذلك كان إيمان وتصديق خديجة رضوان اللّه عليها.

بل الكثير من النصوص والروايات تحكي لنا إيمان العديد من أهل الكتاب بمجرد عرض الإسلام ومعارفه السامية عليهم أو من خلال اطلاعهم على مبلغ علم النبي دون انتظار المعجزة، وأحياناً كانت سجايا النبي صلى الله عليه وآله وأخلاقه الرفيعة تشكل باباً لاختبار صدقه، لأن كل هذه الأمور من شأنها أن تقود إلى نوع من الاطمئنان والإيمان الواعي.

وأحياناً أخرى كانت صفات النبي صلى الله عليه وآله المذكورة في الكتب السابقة باعث إيمان عند من اطلع عليها ولم يبتلى بالعصبية والعناد.

ومع ذلك فإن المعجزة هي دليل قاطع على صدق النبي، والحجة الدامغة على من ينكر ويجحد. لكن كيف تكون المعجزة دالة على صدق النبي؟

المفروض أن ما يأتي به النبي لاثبات صدقه يعجز عنه البشر (وهذه مقدمة وجدانية)، فلو كان ما جاء به بقدرة بشرية لما عجز غيره عن الإتيان بمثله (لأن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد)، فالنتيجة أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ليس بقدرة بشرية.

هذا الدليل استثنائي يمكن صياغته بعبارة أدق:

لو كان ما جاء به النبي بقدرة بشرية لما عجز عنه غيره، لكنهم عجزوا عنه، فهو ليس بقدرة بشرية إذن.

لكن من أين حصل للنبي صلى الله عليه وآله هذه القدرة الخارقة؟

النبي صلى الله عليه وآله حسب الفرض يدّعي اتصالاً بما وراء الطبيعة، بل بخالق الطبيعة ومدبّرها،

76

وأنه نبي مرسل من قبله برسالةٍ ليبلغها إلى الناس، فإذا كان صادقاً فاللازم أن يخصه المرسل بقدرة خاصة تثبت صدقه واتصاله الخاص به، وهي القدرة على الإتيان بالمعجز أو إجراء المعجز على يديه بعبارة أدق.

هذا النحو من الاستدلال تشير إليه الاية الكريمة التالية:

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾1.


v تنوع معاجز الأنبياء

روي أنّ ابن السكيت قال لأبي الحسن الرضا عليه السلام:
لماذا بعث اللّه موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا والة السحر، وبعث عيسى بالة الطب وبعث محمداً صلى الله عليه وآله بالكلام والخطب؟!

فقال أبو الحسن عليه السلام:" إن اللّه تعالى لما بعث موسى عليه السلام كان الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند اللّه تعالى بما لم يكن عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم، وإن اللّه بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند اللّه تعالى بما لم يكن عندهم مثله وبما أحيى لهم الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن اللّه، وأثبت به الحجة عليهم. وإن اللّه تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام والشعر فأتاهم من كتاب اللّه والموعظة والحكمة ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم" 2.

أوضح هذا النص الحكمة من تنوع المعاجز من نبي لاخر ومن زمن لاخر، حيث أنه ينبغي أن تتوفر السنخية بين المعجزة والفن الذي يبرع به أهل الزمان، لأن أهل الفن هم الأقدر على تمييز المعجز من غيره والصحيح من الزيف، ويرجع إلى أهل الخبرة عادة في تشخيص الحالات المشكلة والصعبة، فالطبيب هو الأقدر على إدراك حالات الشفاء

77

الخارقة للعادة والتي لم تتم بالأصول والأسباب المعروفة عند علماء الطب، والساحر أقدر على كشف السحر وفضح أسراره وتمييزه عن المعجزة، ومن هنا كان أول من امن بموسى عليه السلام بعد المواجهة المعروفة هم السحرة أنفسهم الذين دخلوا في لعبة التحدي، وليس ذلك إلاّ لاطلاعهم على فنون السحر، فأدركوا أنّ ما جاء به موسى لم يكن سحراً فامنوا.

وهذا هو السر في جعل القران الكريم معجزة رسولنا صلى الله عليه وآله ، فقد كان عصر نزول القران من أزهى العصور في صنعة الكلام، بل لم يكن لهم من الفنون ما برعوا به سواها، حتى ساروا يعرضونها في أنديتهم وأسواقهم إلى جانب بضائعهم بل بدلاً عنها. ويفتخرون بها ويتبارون فيها.


v مذهب الصرفة

حقيقة الإعجاز قائمة في كون المعجزة فوق قدرة البشر، وإعجاز القران الكريم من هذا القبيل، حيث أنه على مستوى البلاغة وغرابة النظم والأسلوب العجيب وما تضمنه من معارف عالية واخبارات غيبية تشكل في مجموعها معجزة، بل يمكن القول بأن القران الكريم في كل واحد من هذه الجوانب بلغ حد الاعجاز.

ومع ذلك فقد ذهب جماعة من العامة منهم النظام ومن الخاصة السيد المرتضى رحمه اللّه إلى ما يسمى بمذهب الصرفة، فزعموا أن الاعجاز قائم في صرف الناس عن معارضة القران الكريم مع عدم استحالة الإتيان بمثله من قبلهم بحسب قدراتهم وإمكانياتهم الذاتية لولا الصرفة.

والذي دعاهم إلى هذا القول أنهم توهموا أن العرب انذاك كان عندهم العلم بنظم القران والعلم بكيفية تأليف كلام يساويه أو يدانيه، والمعتاد أن من كان عنده هذان العلمان يتمكن من الإتيان بالمثل، ومع ذلك لم يقدروا على المعارضة والإتيان بالمثل رغم محاولتهم واحتياجهم إلى ذلك في مقارعتهم له، فلا بد أنه تعالى أزال عن قلوبهم تلك العلوم وأعجزهم عن المعارضة وصرفهم عن ذلك.

لكن هذا التوهم غير صحيح لأننا لا نسلم أن العارف بوجوه البلاغة ونظم الكلام

78

يمكنه الإتيان بمثله، والبلاغة هي صياغة كلام مطابق لمقتضى الحال، وهو أمر يختلف باختلاف مقتضيات الأحوال. ومهما بلغت قدرات البشر فإنهم يتمكنون من تأليف كلام على نظم يتوافق مع ما يدركونه ويلاحظونه أو يهتمّون به من مقتضيات الأحوال.

أما القران الكريم الذي حوى من المعارف ما لا يمكن أن يحويه كلام أحد، وخاطب البشر كل البشر بلسان واحد، فهو في انٍ واحد يراعي مقتضى حال العوام والخواص، البسطاء والبلغاء، الراسخين في العلم ومن لم يؤتوا إلا الحظ القليل، وضمن الكلام الواحد من المعارف والمعاني ما لا ينقضي ولا يحدّ. وهذا هو الاعجاز البلاغي الخاص بالقران.

ثم إن الصرفة لو تحققت بعد البعثة لكان بالإمكان أن نجد بين القران وبين ما تقدم على البعثة من كلام البلغاء نوع تشابه وتقارب أو تماثل فتبطل به المعجزة لا مكان أن يجاب عنتحديه بأن العرب جاءت بمثله، وبه يسقط إعجازه، وهذا لم يحصل.

ولو كان اعجاز القران بالصرفة لكان الأولى في الاعجاز أن يكون عن الإتيان بالركيك من الكلام لا البليغ ولا ذي النظم العجيب. فإن اعجاز الناس عن الإتيان بما هو سهل يسير في العادة أبلغ في الحجة من اعجازهم عن العالي العزيز.

ومن الشواهد على بطلان مذهب الصرفة وكون الاعجاز في النظم القراني الخاص، ما نقل من قصة الوليد بن المغيرة عندما قرأ عليه الرسول صلى الله عليه وآله شيئاً من القران، قال لقومه: فواللّه ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني ولا بأشعار الجن، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، وواللّه إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وأنه ليعلو وما يعلى، وأنه ليحطم ما تحته.

فقال له أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. فنزلت: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً... ﴾ 3

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري 4

79

وهناك الكثير الكثير من الحالات لتي أسلم فيها أناس أو أقّروا بأنه ليس من كلام البشر بمجرد سماعه وهو ينافي مذهب الصرفة.

بل يروى أن المشركين كانوا يطردون الناس عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله إذا رفع صوته بالقران، وكانوا يشوشون عليه بالصفير والصفيق لألاّ تسمع قراءته، لأن القران كان بنفسه ينادي بأنه كلام رب العالمين، وبلاغته وبيانه ونظمه ليست من النوع المألوف وما اعتادته أسماعهم وكل هذا يكشف عن كون الاعجاز في نفس القران الكريم لا في صرف الهمم عن معارضته.


v آيات التحدّي

1- الاية المتقدمة:﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ 5.

2- قوله تعالى: ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ 6.

3- قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين َ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ 7 .

4- قوله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ 8.

5- قوله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ﴾ 9.هذه الايات الخمس ترتيبها بحسب تسلسل النزول (طبقاً لمرويات السنّة في هذا المجال فليس عندنا فيه شي‏ء يذكر) الثانية ثم الرابعة ثم الأولى ثم الخامسة ثم الثالثة.

80

وهذا يعني أن التحدي يبدأ بتمام القران (النازل منه طبعا) ثم بسورة واحدة ثم بعشر سور ثم بجميعه ثم بسورة واحدة. (الإسراء، يونس، هود، الطور، البقرة).لكن القران لما كان اسم جنس ينطبق على بعضه حقيقة فالتحدي إذن تارة بمطلق القران الذي يقبل الانطباق على أي سورة أو أي جزء منه، وأخرى بعشر سور وثالثة بسورة واحدة. وليس هنا من تدرج في التحدي بناءً على تسلسل النزول المتقدم، وإن تحدث عنه الكثيرون. نعم إذا أسقطنا اعتبار ترتيب النزول وأخذنا الايات مجردة عن زمان نزولها فهناك مراتب للتحدي يمكن أن توصف بأنها نحو من أنحاء التدرّج.

ومهما يكن فإن التاريخ لم يحدثنا عن أية معارضة للقران أدت إلى التشويش على عظمة القران وإلى ايجاد شبهة أمام إعجازه وتحدّيه.

نعم هناك ما يسمى تسامحاً معارضات، لكنها مثار السخرية وتدل على سذاجة أصحابها نقل منها شي‏ء عن مسيلمة الكذاب وأبي الطيب المتنبي وأحد المسيحيين في رسالة حسن الايجاز وهي لا تستحق الوقوف عندها وإطالة الكلام بذكرها وتضييع الوقت بنقلها 10.



v أبعاد الاعجاز القراني

دراسة أبعاد الاعجاز القراني تحتاج إلى ملاحظة أمور:

1- إن القران جاء ليخاطب البشر جميعاً بل الجن أيضاً، فلا يختص بأمة دون أمة ولا جماعة دون جماعة.
﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ﴾ 11.

2- من حيث البعد الزماني يخاطب كل الأزمان منذ البعثة وحتى قيام الساعة.
﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ 12.

3- ومن حيث البعد الموضوعي هو شامل لكل شي‏ء.
﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ﴾ 13. ﴿ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ 14.

81

4- النبي المرسل الذي جاء به لم يتعلم عند أحد ولم يتلق معرفة من أحد من البشر بل كان أمياً لا يقرأ.
﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ 15.
﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ 16.

فبعد ملاحظة الأمور الأربعة نجد أن القران الكريم جاء به من لم يتلق العلم من أحدٍ من البشر، وعلى هذا المستوى الذي أعجز أهل البيان والبلاغة، وبلاغته بلحاظ الأمور الثلاثة الأولى أكبر من أن توصف أو أن تقارن ببلاغة البشر.والاعجاز البلاغي لا يقاس بالنظم والفصاحة والمحسنات البديعية فقط دون ملاحظة المعاني التي يراد صياغة الكلام لبيانها وإيصالها إلى المخاطب، فإن جمال السبك وحسن النظم ينبغي أن يضاف إليه الانسجام التام مع المؤدى وكونه قادراً على إبلاغ المعنى وإيصاله.

كما أن لدلالة الكلام على المعنى في مقام التفهم والتفهيم شروطاً:

1- أن يكون اللفظ قادراً على تحمّل المعنى المطلوب.

2- أن يكون المستوى الفكري والثقافي للمتكلم بحيث يستطيع أن يقصد تلك المعاني التي يتحملها اللفظ.

3- أن يكون ذلك المعنى منسجماً أيضاً مع نوعية اختصاص المتكلم ومع مراميه وأهدافه.

4- قدرة المخاطبين على استيعاب المقصود ولو على امتداد الزمن.

فعلى الصعيد الأول: اعتمد القران اللغة العربية بما لها من خصائص ومميزات فهي أقدر اللغات على تحمل المعاني، وعلى الصعيد الثاني: الشخص العادي لا يمكنه أن يأتي بالمعاني التي يتضمنها القران بما فيها من معارف دقيقة وأسرار كونية ووصف ما لا يقدر البشر على الاطلاع عليه، وعلى الصعيد الثالث هناك انسجام تام بين القران

82

والهدف الذي أنزل من أجله، وعلى صعيد الأخير يلاحظ فيه أنه يناسب جميع المخاطبين، ويعطي كل مخاطب ما يناسبه.

وبهذا يتجلى الاعجاز البياني فيه، الذي تمكن أن يؤدي المعارف المتنوعة والسّامية التي تناسب كل مستويات البشرية، والإشارات العلمية وأسرار الخليقة وأصول النظام الكوني، وفي الوقت نفسه يخاطب الجميع دون أن يكون ذلك مخلاً بإمكانية ايصال المطلوب إلى أهله، فهو يوصل لعوام الناس سهمهم من المعارف ويوصل إلى ذوي البصائر والعقول العلمية حصتهم.

وهناك جوانب إعجازية أخرى تتمثل في الاختبارات الغيبية والكشف عن الجوانب الخفية من قصص الأنبياء والأمم السالفة، والإشارات العلمية، والحديث عن أسرار الكون بما لم يكن معروفاً عند علماء الطبيعة والفلك انذاك وغيرها من الوجوه. لكن أهمها هو الاعجاز البياني الذي قدمنا الحديث عنه وهو لعله يشمل كل هذه الجوانب لأنها داخلة في مفهوم البلاغة والأهداف القرانية.

وفي ختام بحث الاعجاز أنقل عبارة الإمام الخميني قدس سره التي تتحدث عن وجه من وجوه الاعجاز في القران:

" وإن القران الشريف قد جمع من لطائف التوحيد وحقائقه وسرائره ودقائقه ما تتحير فيه عقول أهل المعرفة، وهذا هو الاعجاز العظيم لهذه الصحيفة النورانية السماوية، لا أن حسن التركيب ولطف البيان وغاية الفصاحة ونهاية البلاغة وكيفية الدعوة والاخبار عن المغيبات وإحكام الأحكام واتقان التنظيم للعائلة وأمثالها فحسب، التي يكون كل واحد منها باستقلاله اعجازاً فوق الطاقة وخارقاً للعادة، بل يمكن أن يقال أن معروفية القران بالفصاحة واشتهار هذا الاعجاز من بين سائر المعجزات في الأفاق لأنه كان للأعراب في الصدر الأول هذ التخصص، وأدركوا هذه الجهة من الاعجاز فحسب، وأما الجهات الأخرى المهمة التي كانت فيه وكانت جهة اعجازهاأرفع، وأساس إدراكها أعلى فلم يدركها أعراب ذلك الزمان، والحال أن المتحدين منهم في أفق الفهم لا يدركون من هذه اللطيفة الإلهية سوى التركيبات اللفظية والمحسنات البديعية والبيانية، وأما المعترفون (ولعل الصحيح المتعرفون) لأسرار المعارف ودقائقها والخبراء

83

بلطائف التوحيد والتجريد فوجهة نظرهم في هذا الكتاب الإلهي وقبلة امالهم في هذا الوحي السماوي إنما هي معارفه وليس لهم توجه كثير إلى الجهات الأخرى.." _17

83

أسئلة حول الدرس

1- عدّد عناصر الاعجاز وبيّن علاقة المعجزة بقانون العلية؟
2- كيف تدل المعجزة على صدق دعوى النبوة، ومن أين يحصل للنبي هذه القدرة الخارقة؟
3- ما هي الحكمة من تنوع المعاجز من نبي لاخر ومن زمن لاخر؟
4- هل الاعجاز حقيقي أم هو بالصدفة؟ أثبت ذلك بالدليل؟
5- ما هو المقصود بالاعجاز البياني في القران الكريم؟

هوامش

1- سورة هود،:14 13.
2- المجلسي، بحار الأنوار، 210/17 70/11.
3- سورة المدثر:11.
4- الحاكم، المستدرك على الصحيحين 2/705 السيوطي، الدر المنثور 6/382.
5- سورة هود:13.
6- سورة الإسراء:89.
7- سورة البقرة:24 23.
8- سورة يونس:38.
9- سورة الطور:34 33.
10- راجع، البيان للسيد أبي القاسم الخوئي 94 93، التمهيد للشيخ محمد هادي معرفة 4/722 وما بعدها.
11- سورة الأعراف:158.
12- سورة الأنعام:19.
13- سورة الأنعام:38.
14- سورة النجم:89.
15- سورة النحل:103.
16- سورة العنكبوت:48.
17-الإمام الخميني، الاداب المعنوية للصلاة، 418.

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 11:10 PM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin